روايات كاملة

اتصال هاتفي

انا راجل عدى ال50 سنة، شوفت من الدنيا كتير، وياما دقت على الراس طبول، لكن لو كان حد قالى انى هيجرالى كل اللى جرى، عمرى ما كنت هصدقه مهما عمل، طول عمرى عايش فى الحياة بحلوها ومرها، لا كان ليا دعوة بجن ولا عفاريت، ولا أى خرافات بنسمعها، ولا حتى كنت أحب أسمع الحكايات اللى زى دى من الأساس، عشان كده لما اتكتب عليا أعيش التجربة دى، كدبت نفسي كتير أوى، وخدت وقت طويل لغاية ما قدرت أستوعب اللى بيحصل..حياتى كانت ماشية بنظام مدروس، عشان ميجيش عليا يوم ألاقى نفسى وقعت فى أى مشكلة، اتجوزت أمل مراتى، وبعد لف كتير على الدكاترة، ربنا رزقنا بحازم، والحمد لله اكتفينا بيه وقولنا رضا أوى كده، وفضل نظام البيت هو هو مختلفش، لغاية ما حصلت حاجة كبيرة مكنش لينا يد فيها، أمل مراتى ماتت وسابتنا، مش مرض ولا حتى موت مفاجىء من غير سبب، لأ، ده كان بسبب انسان حقير عارفنا كويس، استغل وجودها لوحدها فى البيت واتهجم عليها، ولما قاومته ودافعت عن نفسها، خنقها عشان متفضحوش، ورغم انه اتقبض عليه وأخد الجزاء اللى يستاهله، لكن أنا كنت طول الوقت حاسس بنار قايدة فيا، كان نفسى آخد بتارها منه بإيديا الاتنين، يمكن نارى تهدى واحس ان أمل مرتاحة فى تربتها، لكن مش كل اللى بنتمناه بنلاقيه، عشان كده حاولت أكتم نارى جوايا، ووجهت كل اهتمامى لإبنى اللى عمره 14 سنة، سن صعب ومحتاج تركيز عشان ميخرجش برة طوعى، كنت بحاول أكون أم وأب فى نفس الوقت، عشان ميحسش بأى نقص، خبيت عليه تفاصيل موت أمه، وعملت المستحيل عشان أقنعه ان اللى قتلها حرامى كان جاى يسرق، مكنتش عاوزه يتكسر أو يحس بأى احساس مش كويس، واتعاملت مع حزنه بالصبر عليه والدعا ليه، لكن بعد ما عدى على الحادثة دى 3 شهور، وبعد ما كنا يادوب بدأنا نتعافى ونحاول نرجع لحياتنا، لاحظت على حازم ابنى حاجة غريبة أوى، يومها كنت واقف فى المطبخ بعمل لقمة ناكلها سوا، وبعد شوية سمعت تليفون حازم بيرن، ندهت عليه وقولتله:_ ياحازم، تليفونك بيرن يا ابنى، رد شوف مين عاوزك._ ده رقم متشفر يا بابا، انا مش هرد._ يا حبيب أبوك هو انت بنت هتخاف من الأرقام الغريبة! رد شوف مين يمكن حد مهم.
سمع كلامى وخد التليفون عشان يرد، وجه وقف على باب المطبخ قدامى، فتح الخط وحط التليفون على ودنه وقال ألو، بعدها لقيت ملامح وشه اتغيرت، وشه اتخطف زى اللى سمع خبر مش كويس، وفضل ساكت من غير ما ينزل التليفون، وده خلانى أنا كمان أقلق وأقوله بسرعة:_ ايه يا ابنى مالك فى ايه؟ مين اللى بيتصل؟
لقيته رد عليا بصعوبة وصوت مهزوز وقال:_ مش عارف يا بابا._ يعنى ايه مش عارف؟ مين اللى بيتكلم معاك؟_ محدش بيتكلم، انا سامع وش جامد، وزى ما يكون صوت حد بيتكلم من بعيد، بس صوته مش واصلى._ اومال وشك اتخطف ليه كده قلقتنى._ برضو مش عارف، حسيت بقبضة فى قلبى فجأة، ومخنوق معرفش ليه._ طب اقفل الخط وروح كمل مذاكرتك عقبال ما أخلص الأكل.
قفل التليفون وسابه قدامى على رخامة المطبخ، وطلع برة وهو على نفس الحال، مسهم ومخضوض، زى اللى حد قاله حاجة خوفته، بس الموقف عدى، والاتصال الغريب اللى جاله ده متكررش تانى قدامى، لكن فى يوم كنت قايم بالليل عشان أدخل الحمام، سمعت صوت جاى من اوضة حازم، قربت من الباب وانا مستغرب، ايه اللى مصحيه لغاية دلوقتى! وأول ما حطيت ودنى على الباب سمعته بيتكلم وبيقول:_ انتى مين؟ ازاى بتكلمينى؟
سكت شوية وبعد كده رد وقال وهو بيعيط:_ انتى كمان وحشتينى أوى، بس انتى بتكلمينى ازاى؟ انا خايف.
لما سمعت الكلام ده حسيت ان شعر راسى وقف من الخضة، للحظة فكرته بيكلم بنت يعرفها، لكن لما ركزت فى الكلام، وسمعته بيعيط وبيقول خايف، الشك ملا قلبى، وبقيت واقف بدعى ربنا ان اللى فى بالى يكون مش حقيقى، واتمنيت ساعتها انه يكون بيكلم بنات بجد، لإن ده كان أهون عندى بكتير من انه يطلع بيكلم… أمه الميتة…مقدرتش أخلص من أفكارى والقلق اللى بينهش فيا، عشان كده خبطت على الباب خبطتين، وبعد كده فتحت ودخلت على طول، لقيته اتنفض وهو بيرمى التليفون من ايده، وبسرعة مسح الدموع اللى مغرقة وشه وقالى:_ بابا! هو حضرتك صاحى؟_ أيوة صاحى يا حازم، كنت قايم رايح الحمام، بس شوفت نور الأوضة شغال، فقولت آجى أشوفك تكون عاوز حاجة ولا يمكن جعان.
_ لا أبدا يا بابا انا تمام مش محتاج حاجة._ هو انت كنت بتكلم حد يا ابنى؟_ ها.. آه، ده واحد صاحبى كان بيسألنى على حاجة فى الدرس، أصله كان غايب._ طيب يا حبيبى، نام انت بقى وارتاح، ولو حبيت تحكيلى أى حاجة أنا موجود._ أكيد يا بابا، هو انا ليا حد غيرك!
سيبته وقفلت الأوضة وانا قلقان أكتر من الأول، كون انه خبى عليا اللى بيحصل معاه، كان دليل على ان فى حاجة مش مظبوطة بتحصل، عشان كده قررت فى اللحظة دى ان عينى تبقى عليه، وأتابعه خطوة بخطوة، وكمان أراقب التليفون وأعرف مين بيكلمه بالظبط، وفعلا عملت كده، وبقيت قاعدله ومتابع كل تصرفاته 24 ساعة، ولفت انتباهى ان ساعة ما التليفون يرن برقم معين هو عارفه، يسيبنى ويدخل أوضته عشان يتكلم، وبعد شوية يطلع معيط وبيدارى وشه منى، واما الحكاية دى اتكررت أكتر من مرة، قولت مفيش حل غير المواجهة، أنا مش هستنى لما ابنى يتجنن أو يجراله حاجة، عشان كده جيت فى يوم وقعدت قصاده، وقولتله بمنتهى الصراحة:_ اسمع يا حازم، انا عاوزك تبقى صريح معايا يا ابنى، مين بيكلمك فى التليفون وبتدخل تستخبى منى عشان تكلمه؟
_ مش بكلم حد يا بابا، مفيش غير اصحابى بس._ متكدبش عليا يا حازم، انا بثق فيك وعارف ان اى حاجة هتحصل معاك هتيجى تقولى، وانا بسألك اهو مين بيكلمك؟
فجأة لقيته انهار وفضل يعيط، عياط هستيرى وكانت اول مرة اشوفه فى الحالة دى، حاولت اهديه وافهم منه ايه الحكاية، لقيته بيقولى والكلام بيطلع منه بالعافية:_ ماما… ماما هى اللى بتكلمنى.
رغم انى كنت متوقع منه الرد ده، بس لما سمعته بيأكد تخمينى، حسيت بصدمة كبيرة، لكن حاولت مبينش اى رد فعل يخوفه منى، وقولتله بصوت هادى:_ ماما ازاى يا حازم؟ مش انت عارف ان امك الله يرحمها خلاص مبقتش معانا؟
_ ايوة انا عارف، وسألتها انتى ازاى بتكلمينى بس هى مجاوبتنيش، كل اللى بتقوله انى وحشتها وعاوزة تشوفنى.
_ حتى لو هى مجاوبتش، انت لازم تفكر وتعقل الحكاية بنفسك، يا ابنى ساعات كتير الحزن اللى جوانا بيخلينا نتخيل حاجات مش موجودة.
_ لا يابابا انا مش بيتهيألى والله، انا مكنتش عاوز أحكيلك عشان عارف انك مش هتصدقنى، مش انت شوفت بنفسك التليفون اللى جالى؟ مش انت اللى ندهت عليا وقولتلى تعالى رد؟
_ أيوة حصل، بس ده تليفون وراح لحاله خلاص، وبتحصل مكالمات كتير أوى بالشكل ده، ايه اللى جرى بعدها بقى؟_ هى اللى كانت بتكلمنى، ولغاية دلوقتى بتكلمنى، والله هى يا بابا ونفس صوتها وطريقتها.
_ الأموات مش بيتكلموا فى التليفون يا حازم، احنا من بكرة هنروح لدكتور تتكلم معاه._ يعنى بتقول انى مجنون يا بابا؟_ لأ، بقول انك حزين على امك وان الحزن الشديد ده ممكن يأذيك، وانا خايف عليك يا حبيبى ومليش غيرك، اسمع كلامى زى ما انا متعود منك.
_ حاضر يا بابا، هعمل اللى حضرتك تقول عليه.
وافقنى على موضوع الدكتور من غير كلام كتير، لكن لما جينا وقت الجد، وقولتله انى حجزت خلاص، لقيته بيبصلى بطريقة غريبة، زى ما يكون متضايق منى او حاقد عليا فى حاجة، وابتدا يعلى صوته وقالى بكل بجاحة:_ انا مش هروح لدكاترة، انا مش مجنون، لو انت مش عاوز تصدق انت حر.
_ ايه اللى بتقوله ده يا حازم؟ وايه الطريقة اللى بتكلمنى بيها دى؟ من امتى وانت بتتكلم معايا كده؟
_ عشان انت بتطلب منى اكون صريح معاك، وانت نفسك مش صريح معايا، ليه خبيت عليا ان اللى موت ماما كان جاى يتهجم عليها مش يسرق حاجة من البيت؟
كلامه نزل على دماغى زى لوح التلج، الصدمة شلتنى وخلتنى مش قادر انطق، وبعد دقايق عدت علينا واحنا الاتنين ساكتين، بلعت ريقى بصعوبة وقولتله:_ انت جبت الكلام ده منين؟ مين اللى قالك الكلام الفارغ ده؟_ هى اللى قالتلى، هى بنفسها كلمتنى وقالتلى انك بتكدب عليا، وقالت انك عاوز تودينى للدكتور عشان تخلينى انساها واشيلها من دماغى.
_ ما هو ده كلام المجانين بعينه، انت لازم تروح للدكتور.
فجأة لقيته صرخ فى وشى بصوت غريب، صوت عالى ورفيع أوى، لكن صوت مؤذى، حسيته بيخرم طبلة ودنى ودماغى، وقال وهو بيبصلى بشر طالع من عنيه:_ قولتلك مش رايح فى حتة، دى امى وهتفضل معايا على طول.
رجعت خطوتين لورا وانا مرعوب منه، من شكله، من صوته، من نظرته ليا، ومن معرفته بحاجة انا خبيتها عليه، لو كان حد تانى اللى قاله مكنش هيخبى، لكن ده بيقول امه اللى قالت، طب ازاى؟ هما الاموات بيرجعوا تانى؟دماغى مكنتش قادرة تتحمل اللى بيحصل، عشان كده سيبته ودخلت اوضتى وقفلت على نفسى، ومن اليوم ده التعامل بينا بقى شبه مقطوع، كل واحد فينا كان بيتجنب التانى، بس فى الفترة دى كان بيحصل فى البيت حاجات غريبة خوفتنى، فى ليلة صحيت من نومى على دقة الساعة المتعلقة فى الصالة، اتفاجأت من صوتها لإن الساعة دى واقفة من زمن، وقتها قولت يمكن حازم صلحها ولا حاجة، بس اللى اكتشفته بعد كده ان الساعة مش شغالة، واقفة وعليها كمية تراب فظيعة من ركنتها، ورغم كده كانت بترن كل ليلة الساعة 3 بعد نص الليل، وأما حسيت بقلق وخوف من اللى بيحصل، شيلتها ورفعتها فوق الدولاب، وده بعد ما اتأكدت ان مفهاش بطاريات، الاغرب من كده هو الريحة اللى كنت بشمها، اول ما حازم يرجع من درس او مدرسة، وقتها ريحة البيت كانت بتتقلب، زى ما يكون خارج من حريقة، كنت بحس بخنقة وكتمة نفس فظيعة، وكأن اللى دخل البيت دخان لحاجة بتتحرق، كل مرة كنت بقلق واجرى عليه عشان اتطمن، بس هو ساعتها كان بيقولى ببرود:_ انت خايف ليه اوى كده؟ ما أنا كويس قدامك اهو.
كنت بسكت وبسيبه، بس من جوايا مش مرتاح، لإنى ببقى حاسس ان فى حاجة محوطانا احنا الاتنين، حاجة وحشة مبوظة حياتنا ومخلية ابنى بعيد عنى، لما قعدت افكر مع نفسى، تفكيرى وصلنى انى اتخلص من كل حاجة تخص مراتى فى البيت، هدومها وتليفونها، حتى الكتب اللى كانت بتقرا فيها، قولت يمكن دى طاقة سلبية ووجودها مأثر علينا، وفعلا لميت كل حاجة تخصها، وجمعتهم فى شنطة سفر كبيرة، وحطيتهم فى اوضتى على اساس اتبرع بيهم فى أى مكان، بس فى اليوم ده فوقت من نومى مفزوع، وده لما سمعت صوت حركة معايا فى الاوضة، فتحت عينى وانا شامم نفس ريحة الدخان اللى بشمه من حازم، واما لفيت وشى ناحية الشنطة بتاعة مراتى، لقيت حازم قاعد جنبها فى الضلمة، منظره وهو قاعد فزعنى وخلانى مرعوب، مديت ايدى عشان اشغل نور الاباجورة اللى جنبى، بس مشتغلش، فضلت اضغط على الزرار مرة واتنين وتلاتة من غير فايدة، فى الآخر قولت لحازم وانا باصص ناحيته:_ ايه اللى مقعدك هنا فى الضلمة دى؟ فيك ايه يا ابنى؟_ انت واخد الشنطة دى ورايح بيها فين؟_ انا لا رايح ولا جاى، دى حاجة المرحومة امك وواجب نتبرع بيها عشان تاخد ثوابها._ الحاجة دى مش هتتحرك من هنا._ انت بقيت قليل الادب، وانا خلاص مش متحمل تصرفاتك دى.
قولتله الكلام ده وانا بقوم من مكانى عشان أشغل النور، بس بمجرد ما عملت كده ولفيت أبصله، ملقتهوش قدامى، الأوضة كانت فاضية وانا واقف لوحدى فيها، ساعتها حسيت بسخونة مش طبيعية فى جسمى كله، ومبقتش عارف انا بحلم ولا اللى شوفته حقيقة، كل حتة فى جسمى كانت بتتنفض، ودماغى تقلت جامد بصداع رهيب، وكل اللى بيتردد على لسانى هو انى مش فاهم، مش فاهم انا اتجننت ولا ابنى حصله حاجة! ولا فعلا روح مراتى موجودة معانا فى البيت، وهى السبب فى كل حاجة بنعيشها! فضلت واقف شوية مش عارف أعمل ايه بالظبط، وبعدها ناديت على حازم بصوت عالى، ولما جه ولقانى فى الحالة دى قالى:_ مالك يا بابا؟ واقف كده ليه؟_ انت كنت فين يا حازم؟_ فى أوضتى بذاكر، مالك يا بابا انت تعبان؟_ قولى يا ابنى، انت لسه بتسمع صوت أمك فى التليفون؟_ بابا انا مش عاوز أتكلم فى الموضوع ده، انا تعبان، وبتعب أكتر لما بنتخانق مع بعض._ تعبان! تعبان عندك ايه؟ وليه مقولتليش ان فيك حاجة؟_ عشان انت هتطلعنى مجنون وتودينى لدكتور مجانين، انا صحيح مش كويس بس مش مجنون يا بابا، ماما بتكلمنى، بس هى أأاا…
_ هى ايه يا ابنى كمل، المرة دى مش هكدبك ولا هقولك نروح لدكتور، انا هصدقك، ولو فيه أى مشكلة هحلها معاك._ هى بتقولى انها عاوزة تشوفنى._ تشوفك ازاى يعنى؟ انت موجود هنا وهى الله أعلم بيها._ عاوزانى أروحلها، بتقولى على حاجة أعملها عشان أبقى معاها على طول._ يعنى ايه الكلام دة؟ عاوزاك تعمل ايه يعنى عشان تبقى معاها؟
سكت شوية وانا بفكر فى معنى الكلام، وبعد كده سألته وانا مرعوب:_ هى عاوزاك تموت نفسك يعنى؟
مردش عليا بس كان بيبصلى بضعف وعجز، زى ما يكون محتار وبين نارين، عاوز يشوف أمه ويفضل معاها، وفى نفس الوقت مش هاين عليه نفسه، أما أنا فكنت مصدوم صدمة عمرى، مجرد ان تفكير ابنى يوصل للمرحلة دى، كانت كارثة كبيرة أوى بالنسبالى، بس مكنش ينفع آخد رد فعل عنيف، يخليه يبطل يتكلم معايا، ولا كان ينفع اقوله تانى على موضوع الدكتور، عشان كده فكرت فى حل تانى خالص، أفيد بيه ابنى، وفى نفس الوقت أفضل محافظ على العلاقة بينا ومبوظهاش بالعِند، وساعتها قررت انى احكى اللى بيحصلنا، لجوز اختى الشيخ عبد الله، قولت آخد رأيه وهو يقولى أعمل ايه، روحتله لغاية البيت، وحكيتله على كل حاجة، بس هو قاطعنى فى نص الكلام وسألنى فجأة وهو متوتر:_ انت بتقول ان صوته اتغير قدام عينك؟_ أيوة يا عبدالله، كأن واحد تانى اللى بيكلمنى، وزعق فيا مع ان عمره ما عملها، انت عارف تربية حمزة كويس.
_ وايه حكاية الريحة اللى بتشمها دى؟_ معرفش والله، ريحة غريبة بتطلع منه، بس مش فى كل الاوقات، قولى الحق يا عبد الله، هو ممكن روح أمل تكون مش مرتاحة وهى السبب فى كل ده؟
_ دى حاجات الله أعلم بيها اذا كانت مرتاحة أو لأ، بس اللى انا عاوز أقولهولك، ان اللى ابنك فيه موضوع تانى خالص._ موضوع تانى ازاى يعنى؟ فى حاجة تانية غير موضوع امه؟_ يظهر كده، المهم انا عاوز اشوفه، هجيلكم زيارة النهاردة بعد صلاة العشا، متقولش انى جاى، خلينى افاجأه لغرض معين فى دماغى، وانا لما آجى هتصرف معاه.
_ طيب على الاقل طمنى وفهمنى فى ايه؟_ لما اجى هتفهم كل حاجة، روح انت لابنك وخليها على الله.
مشيت من عند جوز اختى وانا ندمان، ايوة بصراحة كنت ندمان انى حكيتله، لإنى حسيت انه هيدخلنى فى مواضيع انا مش بصدق فيها، وقررت انه لما يجى هقوله يقفل عالحوار ده خالص وميتكلمش مع حازم فى حاجة، وروحت البيت وفضلت مستنى وانا التفكير هيموتنى، وحال حازم اللى اتغير مخلينى احس بعجز فظيع، وفضلت قاعد مش على بعضى لغاية ما لقيت حازم واقف قدامى وبيقولى:_ بابا انا نازل._ نازل رايح فين يا حازم؟_ رايح لواحد صاحبى، هاخد منه حاجات عشان الامتحان._ ابقى روحله بكرة يا حازم._ لأ انا لازم انزل دلوقتى حالا._ ليه يعنى لازم دلوقتى؟ انا بقولك اقعد، عمك عبد الله جاى يسلم عليك._ وانا مش عاوز اشوف حد، انا عاوز انزل دلوقتى.
ابنى كان بيتكلم وانا شايف الخوف فى عنيه، واما حسيت انه بيتهرب من المقابلة دى، شكيت ان ظن عبد الله فى محله، عشان كده منعت حازم من النزول، والحمد لله قطع كلامنا رنة الجرس ووصول عبد الله، فتحتله الباب وانا بقرب منه وبقوله بصوت واطى:_ الولد كان عاوز ينزل وانا منعته، انا حاسس انه خايف من زيارتك دى._ طبعا خايف منى، بس انت خير ما عملت، ومش عاوزك تقلق من أى حاجة، انا هقراله قرآن مش اكتر من كده.
دخل عبد الله وشاف حازم وهو بيجرى ناحية اوضته، ساعتها نده عليه بسرعة وهو بيقوله:_ استنى يا حازم، انت رايح على فين؟ مش عاوز تشوفنى ولا ايه؟ تعالى هنا.
_ انا مش عاوز اقعد مع حد، انا عندى صداع وهدخل انام._ لأ تعالى اقعد معايا، وانا هعالجلك الصداع اللى بتقول عليه ده._ مش عاوز آجى أنا أاا…_ هتيجى بالذوق ولا تحب اجيبك بطريقة تانية؟
أول ما قاله السؤال ده، لقيت حازم ابنى جاى وقعد جنبه من غير ولا كلمة زيادة، والله زى ما يكون ماسك عليه ذلة، وفى اللحظة دى لقيت عبدالله ابتدى يقرا القرآن على طول، بصوت قوى، وعالى، وهو حاطط ايديه على راس حازم، ساعتها شوفت من حازم اللى عمرى ما شوفته فى حياتى، عرق غرق جسمه، وبقى بيتنفس بصعوبة زى اللى بيغرق، وكان باين عليه النفور الشديد من القرآن اللى سامعه، وفضل يتلوى فى مكانه وهو بيقول:_ مش عاوز أسمع، مش عاوز أسمع يا بابا، انا موجوع، هموت يا بابا هموت.
كان هاين عليا أوقف عبد الله عن اللى بيعمله، بس هو بصلى بنظرة معناها اياك تعمل حاجة، عشان كده وقفت صبرت وسكت، وانا شايف ابنى بيطلع فى الروح قدام عينى، ومع الوقت بقى يشتكى من وجع فى جسمه، وكل دقيقة بمكان مختلف، مرة دماغه، ومرة ايديه، ومرة رجليه الاتنين وبقى يصرخ ويقول:_ مش حاسس برجلى، ارحمونى بقى كفاية، انا اتشليت، مش حاسس برجلى.
لكن عبد الله موقفش لحظة واحدة، كان مستمر فى قرايته لغاية ما لقيت حازم بينزف من مناخيره، ساعتها مقدرتش أمسك نفسى، صرخت فى عبد الله وقولت:_ كفاية يا عبدالله الواد بينزف.وقتها بس عبد الله سكت وهو بياخد نفس جامد، وطلب منى أجيب لحازم ماية، قراله عليها قرآن وسقاه منها، وبعد كده سأله وقاله:_ حاسس بإيه دلوقتى يا حازم؟_ الوجع راح، وحاسس ان جسمى اتفك، بس مش عارف من ايه._ اتفك من اللى كان رابطك وماسكك ومسيطر عليك يا ابنى، قولى انت عيطت على امك فى اوضتك فى الضلمة؟
لقيت حازم سكت شوية، ساعتها حسيت انه هيقول ايوة، لكن اجابته كانت افظع من تخمينى، وده لإنه قال وهو حاطط وشه فى الأرض:_ انا كنت بعيط فى الحمام عشان بابا ميشوفنيش ويزعل منى._ اياك تعمل كده تانى يا حازم، لا عياط فى الضلمة ولا فى الحمامات، ولا تسيب الحزن يتمكن منك ويسيطر عليك، الحزن يا ابنى باب مفتوح للشيطان، يدخلك منه ويستغلك عشان يأذيك او يخليك تأذى نفسك، لعب بعقلك وخلاك تتوهم مكالمات من امك وده مش حقيقى، عشان بس يخليك تعمل حاجة تغضب ربنا، فاهم يا حازم اللى بقوله؟
_ ايوة فاهم، انا فعلا مكنتش بلاقى الاتصال موجود على التليفون._ لإنه ملوش وجود غير فى عقلك، عقلك اللى مكنش تحت سيطرتك انت.
فضلوا يتكلموا مع بعض وانا واقف مذهول، مكنتش عارف أفرح ان ابنى بقى كويس، وان عبد الله قاعد يعلمه التحصين ويأكد عليه يواظب على الصلاة، ولا أزعل على اللى جرالنا واللى عمره ما كان يخطر على بالى أبدا، بس فى النهاية قولت الحمد لله، الحمد لله ان ربنا نجانا من كل ده..
تمت

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also
Close
Back to top button