روايات كاملة

رسائل ملعونه

حطِّيت الكتاب اللي بقرأ فيه وبصِّيت ناحية تليفوني لمَّا سمعت صوت إشعار على واتس آب، مدِّيت إيدي ومسكت التليفون وقرَّبته من وشّي، ماركِّزتش في الرقم؛ لأن الرسالة كانت من رقم مش متسجّل عندي، لكن بحلقت في محتوى الرسالة وأنا بقرأها على الشاشة من برَّه: "لا تنظر إلى وجه عامل الدليفري، هو لا يملكُ وجهًا أصلًا"!

اتعدلت في قعدتي بمجرَّد ما قرأت نَص الرسالة، وافتكرت إني من نُص ساعة كلِّمت المطعم عشان يبعت لي بيتزا، ومن غير ما أفكَّر كتير؛ ضغطت على الرسالة عشان أفتحها، ساعتها اتفاجئت إن الشات فاضي، قفلت الواتس وفتحته من تاني ورجعت دخلت الرسالة، برضه الشات كان فاضي وكأني عملت "الحذف لديَّ" من غير ما أقصد؛ فَرجعت أقرأ الرقم من تاني، وقبل ما أكمِّل قراءة الرقم لساني اتحجَّر، والسبب إن الرَّقم ده كان رقمي!

الدنيا دارت بيَّا، إزاي رقمي بيبعت لي رسالة على واتس آب؟ وإزاي عرِف إني قاعد مستنّي الدليفري؟

فضلت مبحلق في الشات الفاضي وأنا بفكَّر إزاي دَه حصل؛ كل ما الوقت يفوت كنت بحِس إن الشاشة بتتحوّل لمتاهة ضلمة، نظراتي بتغرق فيها وبشوف نفسي من ضَهري وأنا بجري من غير هدف، وبدأت ألاحظ شيء غريب، ضربات قلبي زادت وكأنّي بجري فعلًا، ومع الوقت حسِّيت إن الضلمة اللي في الشاشة بتخرج برَّه نطاق التليفون وبتبلَع المكان، وبسبب دَه حسِّيت إن رؤية عيني اتحوّلت وبقت 3D، وبدأت أشوف نَفسي بجري في المتاهة الضلمة بجد.. حاولت أهرب من اللي بيحصل لكن ماقدرتش، حتى لمَّا رفعت عيني من على شاشة التليفون وبدأت أبُص في أماكن تانية، كل نقطة بصّيت فيها كانت عبارة عن متاهة؛ دهليز ضلمة مالوش آخر وأنا بَجري فيه بآخر ما في عزمي!

المشهد دَه انتهى لمَّا سمعت جرس الباب؛ فجأة المكان من حواليَّا رجع لطبيعته، حتى صفحة شات الواتس آب رجعت فاضية من تاني، اتخشِّبت في مكاني بسبب اللي بيحصل، ما اتحرَّكتش غير لمَّا سمعت جرس الباب للمرَّة التانية، الرَّنة كانت أطول من اللي فاتت؛ وكأن اللي برَّه بيستعجلني عشان أفتح، ومكانش قدَّامي اختيار تاني، حطيت التليفون وقُمت، مشيت ناحية باب الشقة وأنا مركِّز في إزاز الشُّرَّاعة، خيال الشخص اللي واقف برَّه كان ناقص، جسم من غير رقبة وراس، وبمجرَّد ما أدركت دَه خطوتي تِقلت؛ لكن كمِّلت لمَّا سمعت جرس الباب للمرَّة التالتة، كل ما أقرَّب كنت بتأكِّد إن اللي شايفه صَح، الشَّخص اللي برَّه جسمه مش كامل، بَس لمَّا بصِّيت من العين السحريَّة الحكاية اختلفت، لأنّي شُفت بتاع الدليفري واقف وراسه فوق جسمه، حتى وشُّه كان باين عليه الملل من الانتظار، في اللحظة دي بَس ضربات قلبي بدأت تهدا، وفتحت الباب وقلت له:
-اتفضل.

بَص على رقم الشقة وسألني:
-أستاذ زياد؟
-أيوه أنا.
-الأوردر بتاعك يا أفندم.

على ما بصِّيت ناحية العلبة اللي في إيده؛ ورجعت أبُص له من تاني عشان أشكره؛ لقيت وشُّه مالوش ملامح، كان عبارة عن قطعة جِلد مطموسة، والغريبة إني سمعته بيتكلّم من تاني وبيقول لي:
-مالك يا أفندم، أنا جيت عنوان غلط ولا إيه؟

الضلمة رجعت تسيطر على المكان من تاني؛ ولقيتني بفتكر الرسالة اللي وصلتني من رقمي، واللي قرأت فيها إن عامل الدليفري ما لوش وِش، بَس الضلمة انكشفت ورجعت بصِّيت له من تاني، والمرَّة دي الصدمة كانت أكبر، المشهد اتحوِّل، وشِّي كان مكان وِش عامل الدليفري وكأني واقف قدَّام مِراية، وبرغم كِدَه قال لي:
-يا باشا أنت مش طالب بيتزا برضه ولا أنا غلطان في العنوان؟

كان نفس صوت العامل برغم إن ملامحي هيَّ اللي اتكلِّمت، غمَّضت عيني لأني ماكنتش قادر أستوعب اللي بيحصل، وبعد ثواني فتحت عيني من تاني؛ لقيت عامل الدليفري موجود قدَّامي، راسه فوق جسمه وملامحه كانت طبيعية زي ما شُفتها من العين السحريَّة، قرَّرت أخلص من الموقف دَه، مدِّيت إيدي وأخدت منُّه علبة البيتزا وشكرتُه، وفكَّرته إني حوِّلت الفلوس للمطعم على الأنيستا، عشان ما يسألش عن فلوس الأوردر ووقفته تطوِّل، وألاقي نفسي داخل في ضلمة المتاهة من تاني..

حاولت أتجاوز مطَب الأحداث الغريبة اللي ظَهر قدَّامي فجأة، قعدت على ترابيزة السُّفرَة وفتحت علبة البيتزا عشان أشغِل نفسي في الأكل، بَس بمجرَّد ما فتحت العلبة؛ لقيت مكان البيتزا وِشّ مشوَّه، مَعرفش إن كان مسلوخ ولا محروق؛ لكن ملامحه مكانتش ظاهرة بشكل كامل، بَس قلت جايز اللي بيحصل دَه مجرَّد هلوسة من اللي حصل معايا، وبمجرَّد ما مدِّيت إيدي ولمستها؛ حسِّيت إني بلمس لَحم نَي، ولمَّا قرَّبت وشّي منُّه لقيت ريحته بَشعة، قفلت العلبة واتنفضت من مكاني، أخدتها ودخلت المطبخ رميتها في سلّة الزبالة، وبمجرَّد ما رجعت الصالة؛ لقيت العلبة على ترابيزة السفرة من تاني ومفتوحة، بَس المرَّة دي ملامح الوِش اللي فيها كانت ظاهرة عن المرَّة اللي فاتت، وكان نفس ملامح وشّي!

مالحقتش أمتَص الصدمة اللي أخدتها، لأني سمعت إشعار على واتس آب من تاني، ولمَّا مسكت التليفون وبصِّيت على الشاشة شُفت أيقونة صورة، وعشان أشوفها كان لازم أفتح الرسالة، ولمَّا دخلت الشات؛ لقيت صورة لنفسي وأنا باكل من وشّي المشوَّه، واللي خلَّى المنظر بشع أكتر؛ إن الصورة كانت GIF، وده خلَّاني أشوف نفسي بشكل متحرّك وأنا بقطع من وشِّي المشوَّه وبحُطُّه في بُقي وبمضُغه!

الصورة اختفت فجأة والشات بدأ يضلِّم، والضلمة بدأت تخرج برَّه حدود شاشة التليفون وتبلع المكان من حواليَّا، وفجأة لقيت نفسي داخل في المتاهة والدهاليز الضلمة، كنت واقف بتفرَّج على نفسي وأنا بجري في الطريق اللي مش ظاهر لُه آخر، وفي عِز الضلمة، سِمعت صوت إشعار رسالة من تاني، ولقيت نفسي بفتح عيني؛ لأنّي كنت واقف في مكاني ومغمَّض من غير ما أحِس، بصّيت حواليَّا قبل ما أبُص للصورة، مكانش في أثر لعلبة البيتزا على ترابيزة السُّفرة، وفي لحظة لقيت فضولي بيحوِّل عيني ناحية شاشة التليفون من تاني، عشان أقرأ على الشاشة الرسالة اللي وصلت من لحظات: "لا تفتح الستائر؛ النور الذي بالخارج لا يأتي من الشَّمس"!

وزيِّ المرَّة اللي فاتت؛ بمجرَّد ما فتحت الرسالة لقيت الشات فاضي، الكلام اختفى من غير سبب، زي ما ظهر برضه من غير سبب، ولأنّ نَفس الحكاية دي حصلت معايا قبل ما عامل الدليفري يوصل؛ فمكانش عندي فضول أفكَّر في السبب كتير، بَس لقيت فضولي بيدفعني أعرف إيه اللي ورا الستاير، عشان كِدَه قرَّبت من شبّاك الصالة، مدّيت إيدي بحذر وسحبت الستارة على جنب، ساعتها شُفت الدنيا ضلمة برغم إن التوقيت بعد الضُّهر، وبالنسبة للضلمة نفسها؛ فكانت شبه الضلمة اللي شُفتها في المتاهة اللي لقيت نفسي فيها بدون سبب.. رفعت عيني ناحية السما، اتفاجئت بجسم غريب، لا مِنُّه شَمس ولا مِنُّه قَمر، كان منوَّر، لكن النور اللي خارج منُّه مش واصل للأرض، ولا قادر يكسر شوكة العتمة اللي مسيطرة على الدنيا، أما عن الجسم نفسه؛ فكان أقرب في الشَّكل من الوِش اللي ظهر لي لمَّا فتحت علبة البيتزا!

اندهشت من الرابط الغريب بين الموقفين، وبرضه مقدرتش أفسَّر ليه كل ده بيحصل معايا، وحسِّيت بإني عود قَش مَرمي في بَحر هايج، الموج بيحدفني من مكان لمكان؛ لأني نزّلت عيني من على الجِسم الغريب اللي في السَّما لمَّا لمحت عيون بدأت تظهر في صفحة العتمة اللي قدَّامي، ومفيش ثواني ولقيت العيون منتشرة في كل مكان حوالين منّي زي ما تكون بتراقبني!

الضلمة رجعت من تاني؛ وكأنها بقت اللحظة الفاصلة بين كل حدث واللي بعده، لأن الدنيا رجعت لطبيعتها مرَّة تانية، بَس للأسف؛ الأحداث مكانتش عاوزة تخلّيني آخد نَفَسي، لأن مع رجوع الدنيا لطبيعتها؛ سمعت من تاني صوت إشعار الواتس آب، ولأن التليفون كان في إيدي، رفعته بدون تردُّد قدَّام وشِّي، والرسالة كانت عبارة عن أيقونة صورة، فضولي خلَّاني أضغط عليها وأفتحها، ساعتها شُفت نفسي في صورة متحرّكة تانية، أيادي كتيرة كانت ممدودة من السما، شكلها مخيف ومخالبها طويلة ولونها أحمر، كانت بتسحبني لفوق وأنا مسلوب الإرادة زي ريشة مالهاش وزن، وفي نفس الوقت شكل العيون كان متغيَّر، زي ما تكون بتبتسم عشان في أيادي مرعبة بتسحبني ناحية المجهول!

عتمة ومن أوِّل السطر…

الدنيا رجعت لطبيعتها، ومع رجوعها سمعت صوت الإشعار إيَّاه، في المرَّة دي حاولت أقاوم فضولي عشان عيني ما تروحش ناحية شاشة التليفون، بَس للأسف، مفيش حد بيقدر يغلب فضوله، والنتيجة إن عيني راحت على الشاشة وقرأت الرسالة اللي ظاهرة: "احترس من الوقت، الثواني تعود للوراء، اهرب قبل أن تصل إلى الصِّفر!"..

تلقائيًّا عيني راحت ناحية ساعة الحائط، وبمجرَّد ما شُفتها أدركت إنها مش ساعتي، لأن شكلها كان مُطابق لشكل الجسم الغريب اللي لمحته في السما، واللي بدوره كان شَبه الوِش اللي شُفته في علبة البيتزا، في الوقت دَه حسِّيت إني بشوف سلسلة من الأحداث الغير مفهومة، وفي نفس الوقت في بينهم رابط، كل حدث كان أشبه بخرَزَة فيها ثُقب، وبتدخل في خيط رُفيَّع وبتتلِضِم في اللي قبلها، عشان في النهاية تكوِّن سلسلة من الأحداث الغريبة، أما عن عقارب الساعة نفسها؛ فكانت ماشية عكس سيرها الطبيعي، مُش كِدَه وبَس، دي العقارب نفسها اتحوِّلت وبقت شبه صوابع الأيادي اللي نزلت من السَّما وسحبتني لفوق، ومن هنا اتأكّدت إن كل حدث شُفت نفسي فيه بيسلِّمني للحدث اللي بعده!

مع كل حركة العقارب كانت بترجعها لورا؛ كانت قطعة من أثاث الشقة بتختفي، لحد ما اتفاجئت إن كل مكوّنات الشقة مابقتش موجودة، ومبقاش فاضل غير الحيطان اللي لونها بدأ يبهت ويقشَّر ويرجع للون القديم أيام ما كنت لسَّه طفل، حسِّيت بقوَّة خفيَّة بتسحب الزَّمن عشان يرجع ورا، وبالتالي وارد جدًا في لحظة ألاقي الزمن رِجع للمرحلة اللي قبل ما أتولِد فيها، وده معناه إني مش هكون موجود، ومين عارف بعد اللحظة دي ممكن أرجع للحياة من تاني ولا لأ!

لأوّل مرَّة أحِس إن عقلي مش قادر يستوعب اللي بيحصل، بدأت أجري في الشقة اللي رجعت في لحظات لشكلها القديم، حاولت أفتح الباب وأخرج لكنّي ماقدرتش، ولمَّا يأست؛ جريت ناحية شباك الصالة، فكَّرت أنُط منُّه بس افتكرت إني ساكن في الخامِس، وبمجرَّد ما حسبتها حسبة سريعة لقيت إن التصرُّف ده هيدفعني للانتحار، وفكَّرت لثواني إن الأحداث دي بتدفعني لهلاكي وإني أقتل نفسي، عشان كِدَه تراجعت في اللحظة الأخيرة!

الضلمة رجعت من تاني، وكأن في خيمة سودة بتنزل فوقي تحجبني عن الدنيا للحظات وبتترفع من تاني، عشان بعدها كل حاجة ترجع لطبيعتها، وكالعادة، أوّل ما الأحداث انتهت صوت الإشعار ظَهر، ومعاه عيني راحت على الشاشة، وكنت متوقّع اللي لقيته، الرسالة كان فيها أيقونة صورة، ولمَّا دخلت عليها وفتحتها؛ لقيت الصورة المتحرّكة، وشُفت نفسي وعقرب من عقارب الساعة اللي اتحوِّل لشكل إيد مخيفة بيتمَد، وبيسحبني بقوّة ناحية الساعة اللي كان منظرها غريب، في اللحظة دي حجمها زاد عن الأوّل، وحركة باقي العقارب اللي فيها بقت أسرع، ولمَّا جسمي اصطدم بيها اتحوِّل لأشلاء كانت بتطير في كل حتة، حتّى دمّي غرَّق حيطان الشقة اللي كانت ظاهرة بشكلها القديم!

في المرَّة دي غمَّضت عيني وما انتظرتش أدخل المتاهة الضلمة، وبرغم كِدَه شفت نفسي بجري في دهليز من الدهاليز العتمة، بعدها ودني لقطت صوت الإشعار، فَتحت عيني وبصيت على شاشة التليفون، وقرأت الرسالة الجديدة: "أنفاسك عالية، وهو يكره ذلك الضجيج!"..

انتبهت لأوِّل مرَّة إني بتنفّس بصوت عالي، لدرجة إني ماكنتش قادر أفرَّق بين صوت أنفاسي، وبين صوت ضربات قلبي اللي كان زي دق الطبول، بدأت أركِّز مع الصوت وأنا بحاول أفهم إزاي ماكنتش واخد بالي من حاجة زي دي بتحصل جوَّه جسمي، قلت: جايز بسبب دوشة الأحداث ما أخدتش بالي من ضربات قلبي وصوت أنفاسي، بَس الدوشة اللي خارجة من صدري بدأ المنحنى بتاعها ياخد طريقه ناحية الهبوط، صوت أنفاسي بدأ يهدا وضربات قلبي بدأت تقِل؛ لحد ما وصلت لمرحلة العَدم، وماكنتش عارف إن كل ده بيحصل عشان يبقى في فرصة لصوت تاني، والصوت دَه عبارة عن أنفاس تقيلة بدأت تظهر من ورايا، كأن في حَد بيتنفّس جنب ودني!

بصِّيت ورايا بخوف عشان أشوف مين الشَّخص ده، بَس لقيتني بلِف حوالين نفسي 360 درجة، وبرجع لنفس النقطة اللي كنت باصص فيها، ومن غير ما أشوف حد موجود في الشقة، وبرغم كِدَه كنت لسَّه سامع الأنفاس وحاسس بيها في ودني، وحاسس بتُقلِها اللي بدأ يتقَّل ضربات قلبي من الخوف، وفي اللحظة دي سمعت صوت مهزوز من وسط الأنفاس بيقول لي: "دي أنفاس علاء صاحبك، تعرفه يا زياد؟".

في المرَّة دي مادخلتش المتاهة الضلمة، لأني سمعت صوت إشعار الواتس آب بدون أي فواصل سواء من الوقت أو الأحداث، ولمّا عيني جت على الشاشة، قرأت رسالة جديدة: "صديقك الذي سوف يتصل بك، مات منذ ثلاث سنوات!"..

اتخشِّبت في مكاني لثواني؛ لحد ما لقيت تليفوني بيرِن، جسمي اتنفض لمّا قرأت اسم المتصل على الشاشة: علاء..

بلعت ريقي وأنا بحاول أستوعب وتيرة الأحداث اللي بدأت تزيد وتتعقَّد أكتر، وأنا مش بقول الكلام ده من فراغ؛ بالعكس، علاء ده كان صديقي ومات من ٣ سنين في حادثة فعلًا، حضرت جنازته ومشيت فيها، وشُفته بعيني وهوَّ بيدخل القبر والباب بيتقفل عليه، ودلوقت بيرِن عليّا بعد ما استلمت رسالة من رقمي على الواتس عرفت منها إن ده هيحصل، بالظبط زي ما كل الرسايل الغريبة اللي رقمي بلَّغني بيها حصلت!

انتظرت الرَّنة تنتهي لكن ده ماحصلش، حسِّيت إنها زي نفخة في الصور بالنسبالي، نفخة بتفتح توابيت الخوف المقفولة جوَّايا، وبترجَّع كل مشاعر الخوف اللي ماتت جوَّايا للحياة من تاني..

الوقت طال من غير ما الرَّنة تفصل، فَعرفت إن مفيش مَفر من الرَّد، رفعت التليفون جنب ودني وفتحت المكالمة، وساعتها سمعت أنفاس عالية، لكن رِتم الشهيق والزفير فيها بطيء، ولمَّا الوقت فات ومفيش حد اتكلِّم نطقت بصوت مهزوز وقُلت:
-مين معايا؟

الأنفاس سكتت فجأة وسمعت ضحكة باردة، بعدها سمعت صوت بيقول لي:
-لحقت تنساني يا زياد؟

ما أخدتش وقت طويل على ما استوعبت إن ده صوت علاء، ولأني مُدرك تمامًا إنه مات قلت له:
-أنا متأكِّد إنَّك ميِّت، كل اللي بيحصل ده مش حقيقة، حتى أنت مجرَّد وهم.

الضحكة الباردة اتحوِّلت لقهقهة رنَّت في ودني، وساعتها قال لي:
-تحِب أعطيك أمارة إني مش ميِّت، وإني عارف إيه اللي حصل معاك من شويّة؟
-أمارة إيه اللي بتتكلم عنها؟
-بأمارة عامل الدليفري ووشَّك اللي كان في علبة البيتزا وكان بيتحلِّل بعد موتك، وبأمارة ما أكلت منُّه في الصورة اللي وصلتك على الواتس آب، وبأمارة المتاهة العتمة والشمس اللي نورها بيزوِّد الضلمة، والساعة اللي عقاربها خلَّتك ترجع للعدم، كلهم كانوا واخدين ملامح وشّك وهوَّ بيتحلِّل يا زياد، طيِّب أزيدك من الشِّعر بيت؟ أنا اللي ببعت لَك الرسايل، وبعمل دَه بسهولة لأنك معايا دلوقت، كل الحكاية إني شايفك وأنت مش قادر تشوفني، أنت خلاص يا زياد، بقيت في تِعداد الموتى ومحسوب عليهم، وبتشوف كل اللي بيشوفوه.

قفلت المكالمة لأني ماكنتش فاهم اللي بيحصل، والضلمة بَلعت المكان من حواليا فجأة، ورجعت فتَّحت عينيا من تاني، بَس المرَّة دي مش على صوت إشعار الواتس، دَه كان صوت جرس الباب، رميت عيني ناحيته، وساعتها شُفت خيال حد واقف برَّه قدام الشُّراعة، فضلت مبحلق فيه لحد ما سمعت رنة الجرس من تاني، اتحرَّكت من مكاني ومشيت بحذر ناحية الباب، ولمَّا وصلت عنده قُلت بصوت مبحوح:
-مين؟

الشخص اللي واقف برَّه رد عليَّا وقال لي:
-أوردر البيتزا يا باشا.

بصّيت من العين السحرية ولقيت عامل الدليفري واقف وفي إيده علبة بيتزا، وشُّه كان طبيعي ومافيهوش أي شيء غريب، مدّيت إيدي وفتحت الباب، وساعتها ابتسم في وشّي وقال لي:
-أستاذ زياد؟

أخدت نَفس عميق عشان أحافظ على هدوئي وقلت له:
-أيوه أنا.
-الأوردر اللي طلبته يا أفندم، والمطعم بيعتذر لأننا اتأخَّرنا على حضرتك ربع ساعة.

أخدت منُّه العلبة وسابني ومشي، ولقيت نفسي برجع لتليفوني، دخلت الواتس آب ومالقتش أي أثر للشات اللي كان بيوصلني عليه الرسايل الغريبة من رقمي، واتأكدت من تاني إني كنت باعت رسالة للمطعم طالب فيها أوردر بيتزا، ده كمان كنت باعت لهم تحويل الأنيستا اللي يخص الدفع، ومكانش عندي تفسير ليه حصل معايا كل ده!

حطيت علبة البيتزا على الترابيزة وفتحتها وأنا قلبي بيتنفض ورا ضلوعي، بس ظنّي مكانش في محلُّه لأني لقيت البيتزا طبيعيّة مش زي ما شُفتها في الأحداث اللي حصلت.. والذاكرة بدأت ترجع لي بالتدريج، افتكرت إني بعد ما طلبت الأوردر قرَّرت أتسلَّى في قراءة كتاب اشتريته من سور الأزبكية عشان أخوض تجربة جديدة في القراءة، كان بيتكلِّم عن السِّحر والطلاسم، وساعتها بقى جوّايا شَك رهيب إن اللي قرأته من الكتاب ورا كل اللي حصل معايا.

بدأت أبحث عن اسم الكتاب على النت، واعذروني مش هقول اسمه عشان فضولكم ما يخلّكوش تقرأوه وتتأذوا زي ما اتأذيت، أو كنت على وشك إني أتأذي، ومكانش فارق معايا الموضوعات اللي مكتوبة عنُّه بقدر ما كنت مهتم بردود أفعال الناس اللي قرأت الكتاب، كتير كتبوا تجاربهم مع الكتاب ده، كلهم قالوا إن في لعنة بدأت تحاصرهم، ولاحظت إن أغلب التجارب متطابقة في الأحداث، وفي نفس الوقت متطابقة مع اللي حصل معايا، لأن الأشخاص اللي كتبوا التجارب دي أجمعوا على رأي واحد وقالوا: الطلاسم اللي في الكتاب حقيقيَّة، والخادم بتاع الكتاب بيكون سبب في فتح باب بين الشخص اللي يقرأه وبين عالم الموتى، وبيبدأ يبعت له رسايل بتقلب حياته وتوصَّله للجنون، ده غير كمان إنه بيبدأ يشوف ملامحه وهي بتتحلِّل في بداية حياة البرزخ، وبيشوف أحداث قوانين العالم بتاعنا مابتقدرش تفسرها، والنتيجة إنه بيفقد عقله بمجرد ما ينتهي من الكتاب، لأن خادم الطلاسم اللي في الكتاب؛ واللي بينتمي لعالم الموتى بيكون خلاص اتمكّن منّه.

لحد هنا فهمت ليه شُفت كل ده، واتأكدت إن اللي بعت لي الرسايل الملعونة دي وخلاني أعيش كل ده هوَّ الخادم، واللي غالبًا بدأ يعلن عن وجوده بمجرَّد ما بدأت أقرأ في الكتاب، وبقى جوَّايا يقين إنه كلِّمني بصوت علاء صديقي اللي مات، لأن مفيش ميّت بيتكلّم في الواقع، حتى الأنفاس اللي سمعتها حوالين منّي، أكيد كان بيحاول يفهّمني إنه حاضر معايا في المكان، وبرضه فهمت ليه الأحداث بدأت بعامل الدليفري، جايز لأن دي آخر حاجة عملتها قبل ما أقرأ الكتاب، وبالتالي خادم الطلاسم اختار النقطة دي عشان يبدأ منها، والله أعلم لو ماكنتش بحثت عن الكتاب وكمّلت قراءة كان ممكن يبدأ منين تاني ويوصل لفين.

اتخلَّصت من الكتاب في نفس اليوم، وطبعًا مقدرتش أرميه عشان ماكنتش عارف نتيجة دَه هتكون إيه، ومالقتش قدّامي غير الطريقة التقليدية، وهيَّ إني جِبت كميّة مَيَّه ودوِّبت فيها مَلح خشن، بعدها حطيت الكتاب فيها لحد ما الحِبر اللي في صفحاته داب واختلط بالمَيَّه، بعدها رميت المَيَّه في مجرى مائي..

من بعد ما عملت دَه الأحداث دي ما اتكرَّرتش تاني، وحمدت ربنا إنها حصلت معايا لمرَّة واحدة بس، لأني مش هكدب على نفسي ولا عليكم، أنا ماكنتش حِمل إنها تحصل معايا مرَّة تانية، وطبعًا مانسيتش أدخل أكتب تجربتي على الموضوعات اللي بتتكلّم عن الكتاب ده، وحطيت لتجربتي اسم: رسايل ملعونة، جايز لمَّا أضيف تجربتي مع تجارب اللي قرأوا الكتاب النّاس تصدق إنه مؤذي، ودلوقت بكتب لكم تجربتي معاه، عشان تبعدوا عنُّه، وبما إني ماذكرتش اسم الكتاب، فَده معناه إني بقول لكم: ابعدوا عن كل الكتب اللي من النوع ده، لأنها فعلًا مؤذية.

***
تمت…

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also
Close
Back to top button