روايات كاملة

عصر المماليك

كان العالم شاسعًا، أكبر من أن يُحاط، وأجمل من أن يُفهم دفعة واحدة.
امتدّ في اتساعه كلوحة مفتوحة، تتقاطع فيها اليابسة مع المحيطات، حيث كانت البحار هي الغالبة، زرقاء عميقة، تخفي أكثر مما تُظهر، وتحتفظ بأسرار لا تصعد إلى السطح.

في هذا العالم، لم يكن الجمال بريئًا.
خلف السواحل، وفي بطون الغابات، وتحت أطلال حضارات أبيدت، نامت الكنوز:
أسلحة ذاقت دماء أناس سبقوا العشرة في حروب لم تُعلم أسباب بدايتها ونهايتها،
حيوانات نادرة أخفت نفسها عن الوجود،
مخطوطات قديمة تحمل معرفة لا تُمنح بلا ثمن،
وألغاز خُلقت لتبقى مخفية.

لكن الأخطر لم يكن ما يُرى.
كان هناك ما هو أعمق… قوى عظيمة تحكم توازن العالم، بلا اسم ولا وجه، حاضرة دومًا، تعرف كيف تسير الأمور في الخفاء، وتستغل الضعفاء، وسيادة المغفلين.

لكلٍ دوافعه، ولكلٍ أسبابه ومبرراته، لكن أطماعهم تشابهت، فمبادئهم وُلِدت من رَحِم تفكير واحد.

وهكذا، في عالمٍ يبدو جميلًا من بعيد،
كانت البدايات تُكتب بصمت،
وكان ظلٌّ ما… يستعد لأن يولد.
بعد موسم تكاثر دام لأشهر، حلقت طيور الكريفن في أسراب ضخمة مهاجرة، كل طائر عرف طريقه وكأن غرائزه تمنحه يقينًا داخليًا لا يرتاب. اندفعت نحو أقصى الشرق، جنوبًا، بحر الهلاك المعروف عليه عواصفه الهوجاء ورياحه العاتية ومخلوقاته الضخمة كالحيتان التي تجوب مياهه والكائنات الغامضة التي تختبئ بين أمواجه.

وبحلول موسم الاصطياد تصبح كل الأمور مهيأة وملائمة للصيادين والتجار والبحارة وصائدي الكنوز، حيث يعتبرون هجرة الطيور علامة على قرب بداية رحلتهم.
ينهالون من كل البلدان القريبة، سواء بطرق قانونية أو غير قانونية، متجهين نحو بحر الهلاك مجهزين خرائطهم ومدججين بكل الوسائل، متخذين كل الأسباب الممكنة، طامحين في الظفر بأحد الكنوز، كلٌ حسب طموحه ودوافعه.
لم يكن موسم الاصطياد حكرًا على الطيور وحدها؛ ففي بقعة منسية من بحر الهلكي، كانت تقبع جزيرة وحيدة، بعيدة كأنها منفية عن الخرائط. تميّزت بهضبة شاهقة تشق السماء، فدُعيت منذ زمن بعيد جزيرة الهضبة اليتيمة.

أسفل تلك الهضبة، عاش أهل الجزيرة. شيدوا قريتهم عبر مرّ السنين من حجارة البحر اليابسة، فكانت بيوتهم صلبة كقلوبهم، وطرقهم ضيقة متعرجة، لا تخضع لنظام سوى ما فرضه العوز والعجلة. الأزقة بالكاد تتسع لشخصين، والأسطح تحوّلت إلى فضاءات مفتوحة تُجفف عليها الملابس تحت شمس لا ترحم.
أغلب أهل القرية صيادون، ورثوا مهنتهم كما ورثوا شقاءها، أما النساء فجعلن من تربية الأطفال ورعاية الأبقار والخرفان همّهن الأول.

كان الفقر والجهل سيّدَي المكان، ومن رحمِهما وُلدت طباع قاسية: أنانية، حب للنفس، وشحّ في الرحمة. ومع ذلك، اجتمعوا ليصنعوا مجتمعًا صغيرًا تحكمه قوانينهم الخاصة؛ عادلة في ظاهرها، لكنها تُخفي عيوبهم حين تتجه أنظارهم إلى بعضهم البعض.

أكثر ما يلفت النظر في القرية هو ميناؤها الكبير، المكتظ بقوارب الصيد المجهزة. هناك، يستعد الصيادون للانطلاق في رحلات محفوفة بالمخاطر، طمعًا في صيد سمك الزيراء، الذي يلقبونه بـ الذهب الأسود. كنز بحري نادر، مطلوب في الأسواق والمطابخ العالمية، وطعام لا يُقدَّم إلا على موائد النبلاء.

في أعلى الهضبة، بعيدًا عن صخب القرية وعيونها، كان يعيش بطلنا إلياس، وقد بلغ الخامسة عشرة من عمره، مع جدّه الصياد المتقاعد. اختارا العزلة ملاذًا، وكأن الهضبة حاجز يحميهما من قسوة البشر.
لقّبه جدّه بـ كراوفورد، تمنيًا أن يتحلّى بالصبر في عالم لا يرحم الضعفاء.

لم يعرف إلياس شيئًا عن والديه. أخبره جدّه يومًا أنهما تركاه، لكن ما سمعه لاحقًا من نساء القرية وأطفالها كان أشد قسوة من الحقيقة نفسها. كانوا يهمسون كلما مرّ بينهم، يلقبونه بـ ابن الفاجرة، مقطوع النسب.
تسللت هذه الكلمات إلى صدره كالسكاكين، فأشعلت فيه غضبًا دفينًا وحقدًا صامتًا.

عاش إلياس في صراع دائم معهم. نبذوه، فنبذهم بدوره، وانتقم بطريقته الطفولية القاسية؛ يسرق ملابسهم المنشورة على الأسطح، أو يفتح أبواب الحظائر لتهرب الحيوانات. كان يظن أن ذلك يخفف شيئًا من نيرانه الداخلية.

تعلّم إلياس من جدّه الكثير: الصيد، السباحة، الغوص، المصارعة، الرماية، وحتى خياطة الملابس. موهبة فطرية منحته ثقة عالية بنفسه واعتمادًا شبه كامل على ذاته.
لم يكن له في هذا العالم سواه. جدّ منحه حنان الأم، ودعم الأب، وملأ فراغًا لم يستطع أحد سواه أن يملأه.

أحبّه إلياس حبًا صادقًا، واحترمه بعمق، وكان حلمه الدائم أن يجعله فخورًا به.
ففي عالمٍ شعر فيه أن الجميع ضده، حيث كان أهل القرية يسجنونه أحيانًا في حظائر الحيوانات عقابًا له، لم يجد الياس ال جده المنقض له

كان إلياس، مع كل موسمٍ يحلّ فيه الاصطياد، يقف أمام جدّه بطلبٍ يتكرّر كل عام: أن يسمح له بالخروج في إحدى رحلات صيد سمك الزيراء.
لم يكن طلبه بدافع المغامرة وحدها، بل رغبة صادقة في أن يرى الفخر في عيني الجد.
لكن الجواب كان يأتيه دائمًا حاسمًا:
حين تبلغ الخامسة عشرة، وتعتمد على نفسك.

وفي هذا العام… بلغها.

لم يتراجع الجد عن وعده. أخذ يبحث له عن رحلة تتهيّأ للإبحار، مستعينًا بأحد معارفه القدامى من الصيادين. وحين أخبر إلياس بذلك، اشتعل الفرح في صدره، حتى كاد لا يسعه. وعد جدّه، بنبرة واثقة وصلبة، أن يعود له بأكبر سمكة زيراء عرفها البحر.

في صباح اليوم الموعود، وبعد شروق الشمس بدقائق قليلة، خرج إلياس من بيت جدّه أعلى الهضبة. كان يحمل رمحه على كتفه كمن يحمل مصيره.
وقبل أن يتجه نحو الميناء، صعد إلى قمة الهضبة. وقف هناك لحظة، يتأمل هدوء البحر الممتد، يسمع صياح طيور الجرفن، ويشعر بنسمة الرياح العليلة تلامس وجهه. استنشق الهواء النقي بعمق، كأنّه يختزن القوة في صدره، ثم انطلق.

هبط من أعلى الهضبة كالسهم، يخترق الطريق، مارًّا بالقرية. رفعت النساء رؤوسهنّ عن أعمالهن اليومية، تبادلن النظرات والهمسات، وبعضهن تساءلن في صمت:
أهو ذاهب إلى الصيد؟

وصل إلياس إلى الميناء، وبدأ يبحث عن سفينة رجل يُدعى القائد روبين، أحد الصيادين الذين عملوا مع جدّه قديمًا.
عرف السفينة فورًا؛ من مقدمتها الخشنة، ومن تشققات خشبها، ومن مظهرها غير المرتب. اتجه نحوها، فوجد طاقمها منشغلين بحمل الأمتعة استعدادًا للرحلة.

سألهم عن القائد روبين، فلم يجبه أحد. أعاد السؤال، ولم يلتفت له أحد.
جلس إلياس متربعًا على الأرض، يراقبهم بصمت، منتظرًا.

وبعد مدة ليست بالقصيرة، وقد ارتفعت الشمس أكثر في السماء، ظهر رجل من بين السفن.
نهض إلياس بعينيه نحوه… ثم تجمّد.

كان القائد روبين ذا بنية قوية رغم سنّه، عضلات بارزة، ويدان ضخمتان، وطول فارع. لحيته سوداء كثيفة، وعيناه حادتان تشعّان صلابة وجدًّا.
الصدمة الكبرى لم تكن في هيبته، بل في كونه… عجوزًا.

اقترب إلياس منه وسأله بنبرةٍ غلبها التردد:
— أأنت القائد روبن؟

لم يجب الرجل مباشرة، بل ردّ بسؤالٍ مضاد، وهو يحدّق فيه بعينين ثابتتين، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة:
— أأنت حفيد عجوز الهضبة؟

أومأ إلياس برأسه قائلًا نعم، وقد استغرب اللقب الذي أطلقه على جدّه. عندها قال القائد روبن بصرامة:
— حسنًا… أنا لا أقبل الضعفاء على سفينتي، فأرجو ألّا تكون منهم.

لم تُرهب الكلمات إلياس، بل ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، ونظر إلى روبن نظرة تحدّ. فهم القائد الرسالة، فابتسم هو الآخر، ثم وضع يده اليسرى على كتف إلياس وربت عليه بقوة، كأنه يختبر صلابته، وقال:
— أرجو ذلك… فاستعد.

دعاه للصعود إلى السفينة.
ارتفعت الأصوات، وصاح منادٍ:
— ارفعوا الأشرعة!

وانطلقت الرحلة.

امتدّت الساعات في عرض البحر، ولم يجد إلياس ما يفعله سوى التأمل في زرقة الماء، وجماله، وتنوّع مخلوقاته.

كانت الرحلة ستستغرق أربعة أيام، مقسمة على مراحل دقيقة:

اليوم الأول:
تجهّز الطاقم لتجهيز الشباك الكبيرة، يُزرع الطعم بعناية فائقة داخلها.
إلياس راقب كل حركة، متعلّمًا تفاصيل المهنة من القائد روبين، مستوعبًا كيفية توزيع الشباك بحيث تغطي مناطق الاصطياد الأكثر كثافة.

اليوم الثاني:
رمي الشباك في مواقع الاصطياد المحددة مسبقًا. استغرقت العملية ساعات، إذ كان على الصيادين التأكد من ثبات الشباك وعدم تحركها بفعل تيارات البحر، ومراقبة الطعوم المعلقة لجذب أسماك الزيراء.

اليوم الثالث:
خصص للصيد التقليدي بالغوص والرماح. هنا أتيحت الفرصة لإلياس أن يثبت مهارته.

غطس إلياس في عمق البحر، المياه تحيط به من كل جانب كستار أزرق شفاف. فتح عينيه، فانكشف له عالمٌ لا يُرى إلا تحت الأمواج: تحالب ملونة تتراقص مع التيار، أسماك صغيرة وكبيرة تتنقل بانسجام، وشعاب مرجانية تنبض بالحياة وكأنها قلب البحر.

ركز على هدفه، أسراب الزيراء. كانت تتحرك بين الصخور والتحالب، تحوم حول أعماق لا يجرؤ الكثيرون على الغوص فيها. شعر إلياس بنسيم المياه حوله وكأنها تهمس له: ركز، لا تشتت نفسك، الهدف أمامك.

اقترب أكثر، يتسلل بين الصخور بحذر، يراقب حجم كل سمكة، يختار الأكبر والأقوى. كل ضربة رمحه تحتاج إلى توقيت مثالي: لا أسرع ولا أبطأ.

ثم لمحها. سمكة ضخمة، أكبر بكثير من أي سمكة رأها في حياته، تتهادى قرب صخرة كبيرة. شدّ قبضته على رمحه، أخذ نفسًا عميقًا، ركّز، وأطلقه بثقة. اخترقت السمكة الرمح، لكنها حاولت الهرب بقوة، تمر بين الصخور والطحالب.

بدأت قوة تنفّس إلياس بالانتهاء، فشعر بأن الهواء في رئتيه يقل شيئًا فشيئًا، فانطلق مسرعًا نحو السطح، يركض في الماء مستخدمًا كل قوته، حتى تمكن أخيرًا من الإمساك بالسمكة، ممسكًا الرمح معها، وصعد بها نحو سطح الماء.

خرج إلياس مبللًا ومجهدًا، لكنه مبتسم بفخر، شاكرًا البحر على اختباره لقدراته.
حين ظهر على السطح، ارتفعت أصوات الطاقم جميعًا، يصفقون ويهتفون باسمه:
— إلياس! إلياس! لقد ولد بطل جديد!

ابتسم إلياس بدهشة وفرح، إذ لم يتوقع هذا الترحيب والاعتراف بمجهوده.
كان شعور الفخر يملأ صدره، فهو لم يثبت مهارته أمام نفسه فحسب، بل أمام جميع الصيادين على السفينة.

ومع حلول صباح اليوم الرابع، بدأت المرحلة الأخيرة من رحلة الصيد.
تحرك الطاقم بحذر نحو مواقع الشباك التي تم رميها في اليومين السابقين. كل شخص يعلم أن هذا الصباح سيكشف عن مدى نجاح رحلتهم، فالشباك المملوءة هي ثمرة جهود الأيام الثلاثة الماضية.

بدأوا بسحب الشباك واحدة تلو الأخرى، تخرج من الماء ممتلئة بأسماك الزيراء الأسود، المعروف بينهم بـ “الذهب الأسود”، تتلألأ تحت أشعة الشمس وكأنها هدايا البحر.

صرخ بعض الصيادين بحماس، وأشاروا إلى كمية الأسماك الكبيرة، بينما حمل آخرون الشباك الثقيلة بحذر، خوفًا من أن تفلت الأسماك قبل أن تصل إلى السفينة.
تحركت السفينة ببطء محملة بالغنائم، والفرحة تعم وجوه الجميع، فقد كانت رحلة ناجحة بكل المقاييس.

ارتفعت أصوات الطاقم بالضحك والهتاف، كل واحد يشارك الآخر سعادة الإنجاز، بينما البحر أمامهم يمتد هادئًا، شاهداً على مغامرة ثلاثة أيام ملؤها التحدي، الشجاعة، والمهارة

ما إن لاحت ملامح الجزيرة من بعيد، حتى خفّت سرعة السفينة، وبدأت أصوات الميناء تعود شيئًا فشيئًا.
عاد الصيادون إلى أماكنهم، وكل واحد منهم ينظر إلى الغنائم كمن يحصي تعب الأيام الماضية.

حين رست السفينة، كان بعض أهل القرية قد تجمعوا عند الميناء، يراقبون عودة القوارب بفضولٍ معتاد.
لكن هذه المرّة، لم تكن العودة عادية.

أُنزلت الشباك الثقيلة، وظهرت أسماك الزيراء السوداء بكثرة، فتبدلت الوجوه، وارتفعت الهمهمات.
رأى الناس الغنائم، لكن أنظارهم توقفت عند إلياس.

كان يقف قرب مقدمة السفينة، صامتًا، متعبًا، وفي عينيه شيء جديد… شيء لم يكن موجودًا من قبل.
لم يعد ذاك الفتى المنبوذ في الأزقة، بل شاب عاد من البحر وقد امتحنه وخرج منه مرفوع الرأس.

تبادل الصيادون نظرات ذات معنى، وبعضهم ابتسم، وآخرون اكتفوا بالصمت، لكن الخبر كان قد انتشر:
إلياس غاص… وصاد… ونجا.

غادر إلياس الميناء دون أن يلتفت كثيرًا، حمل رمحه وسار صعودًا نحو الهضبة.
كانت خطواته أهدأ من ذهابه، أثقل قليلًا، لكنها أكثر ثباتًا.

حين بلغ بيت جدّه، وجده جالسًا أمام الباب، كأنه كان ينتظر.
لم يتكلم إلياس، ولم يرفع السمكة، لم يحتج إلى كلمات.

نظر الجد في عينيه طويلًا… ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، نادرة، وقال بهدوء:
— عدتَ سالمًا.

في تلك اللحظة، شعر إلياس بشيءٍ ينكسر في داخله، وشيءٍ آخر يُبنى.
لم يعد البحر مجرد حلم، ولم تعد القرية مجرد سجن.
لقد خطا خطوته الأولى… في عالم لا يرحم، لكنه يعترف بالقوة لم يكن إلياس يدرك، وهو عائد بما كسبه من البحر، أن القادم لا يحمل له استقرارًا ولا سكينة، بل فاجعة ستبدّل مسار حياته وتغمر أيامه بظلالٍ قاتمة.
لحظة واحدة فقط ستكون كفيلة بأن تنزع عنه براءة البدايات، وتدفعه إلى عالمٍ أقسى مما عرفه من قبل.

فكيف سيتعامل إلياس مع المصير الذي يقترب منه بصمت؟كان العالم شاسعًا، أكبر من أن يُحاط، وأجمل من أن يُفهم دفعة واحدة.
امتدّ في اتساعه كلوحة مفتوحة، تتقاطع فيها اليابسة مع المحيطات، حيث كانت البحار هي الغالبة، زرقاء عميقة، تخفي أكثر مما تُظهر، وتحتفظ بأسرار لا تصعد إلى السطح.

في هذا العالم، لم يكن الجمال بريئًا.
خلف السواحل، وفي بطون الغابات، وتحت أطلال حضارات أبيدت، نامت الكنوز:
أسلحة ذاقت دماء أناس سبقوا العشرة في حروب لم تُعلم أسباب بدايتها ونهايتها،
حيوانات نادرة أخفت نفسها عن الوجود،
مخطوطات قديمة تحمل معرفة لا تُمنح بلا ثمن،
وألغاز خُلقت لتبقى مخفية.

لكن الأخطر لم يكن ما يُرى.
كان هناك ما هو أعمق… قوى عظيمة تحكم توازن العالم، بلا اسم ولا وجه، حاضرة دومًا، تعرف كيف تسير الأمور في الخفاء، وتستغل الضعفاء، وسيادة المغفلين.

لكلٍ دوافعه، ولكلٍ أسبابه ومبرراته، لكن أطماعهم تشابهت، فمبادئهم وُلِدت من رَحِم تفكير واحد.

وهكذا، في عالمٍ يبدو جميلًا من بعيد،
كانت البدايات تُكتب بصمت،
وكان ظلٌّ ما… يستعد لأن يولد.
بعد موسم تكاثر دام لأشهر، حلقت طيور الكريفن في أسراب ضخمة مهاجرة، كل طائر عرف طريقه وكأن غرائزه تمنحه يقينًا داخليًا لا يرتاب. اندفعت نحو أقصى الشرق، جنوبًا، بحر الهلاك المعروف عليه عواصفه الهوجاء ورياحه العاتية ومخلوقاته الضخمة كالحيتان التي تجوب مياهه والكائنات الغامضة التي تختبئ بين أمواجه.

وبحلول موسم الاصطياد تصبح كل الأمور مهيأة وملائمة للصيادين والتجار والبحارة وصائدي الكنوز، حيث يعتبرون هجرة الطيور علامة على قرب بداية رحلتهم.
ينهالون من كل البلدان القريبة، سواء بطرق قانونية أو غير قانونية، متجهين نحو بحر الهلاك مجهزين خرائطهم ومدججين بكل الوسائل، متخذين كل الأسباب الممكنة، طامحين في الظفر بأحد الكنوز، كلٌ حسب طموحه ودوافعه.
لم يكن موسم الاصطياد حكرًا على الطيور وحدها؛ ففي بقعة منسية من بحر الهلكي، كانت تقبع جزيرة وحيدة، بعيدة كأنها منفية عن الخرائط. تميّزت بهضبة شاهقة تشق السماء، فدُعيت منذ زمن بعيد جزيرة الهضبة اليتيمة.

أسفل تلك الهضبة، عاش أهل الجزيرة. شيدوا قريتهم عبر مرّ السنين من حجارة البحر اليابسة، فكانت بيوتهم صلبة كقلوبهم، وطرقهم ضيقة متعرجة، لا تخضع لنظام سوى ما فرضه العوز والعجلة. الأزقة بالكاد تتسع لشخصين، والأسطح تحوّلت إلى فضاءات مفتوحة تُجفف عليها الملابس تحت شمس لا ترحم.
أغلب أهل القرية صيادون، ورثوا مهنتهم كما ورثوا شقاءها، أما النساء فجعلن من تربية الأطفال ورعاية الأبقار والخرفان همّهن الأول.

كان الفقر والجهل سيّدَي المكان، ومن رحمِهما وُلدت طباع قاسية: أنانية، حب للنفس، وشحّ في الرحمة. ومع ذلك، اجتمعوا ليصنعوا مجتمعًا صغيرًا تحكمه قوانينهم الخاصة؛ عادلة في ظاهرها، لكنها تُخفي عيوبهم حين تتجه أنظارهم إلى بعضهم البعض.

أكثر ما يلفت النظر في القرية هو ميناؤها الكبير، المكتظ بقوارب الصيد المجهزة. هناك، يستعد الصيادون للانطلاق في رحلات محفوفة بالمخاطر، طمعًا في صيد سمك الزيراء، الذي يلقبونه بـ الذهب الأسود. كنز بحري نادر، مطلوب في الأسواق والمطابخ العالمية، وطعام لا يُقدَّم إلا على موائد النبلاء.

في أعلى الهضبة، بعيدًا عن صخب القرية وعيونها، كان يعيش بطلنا إلياس، وقد بلغ الخامسة عشرة من عمره، مع جدّه الصياد المتقاعد. اختارا العزلة ملاذًا، وكأن الهضبة حاجز يحميهما من قسوة البشر.
لقّبه جدّه بـ كراوفورد، تمنيًا أن يتحلّى بالصبر في عالم لا يرحم الضعفاء.

لم يعرف إلياس شيئًا عن والديه. أخبره جدّه يومًا أنهما تركاه، لكن ما سمعه لاحقًا من نساء القرية وأطفالها كان أشد قسوة من الحقيقة نفسها. كانوا يهمسون كلما مرّ بينهم، يلقبونه بـ ابن الفاجرة، مقطوع النسب.
تسللت هذه الكلمات إلى صدره كالسكاكين، فأشعلت فيه غضبًا دفينًا وحقدًا صامتًا.

عاش إلياس في صراع دائم معهم. نبذوه، فنبذهم بدوره، وانتقم بطريقته الطفولية القاسية؛ يسرق ملابسهم المنشورة على الأسطح، أو يفتح أبواب الحظائر لتهرب الحيوانات. كان يظن أن ذلك يخفف شيئًا من نيرانه الداخلية.

تعلّم إلياس من جدّه الكثير: الصيد، السباحة، الغوص، المصارعة، الرماية، وحتى خياطة الملابس. موهبة فطرية منحته ثقة عالية بنفسه واعتمادًا شبه كامل على ذاته.
لم يكن له في هذا العالم سواه. جدّ منحه حنان الأم، ودعم الأب، وملأ فراغًا لم يستطع أحد سواه أن يملأه.

أحبّه إلياس حبًا صادقًا، واحترمه بعمق، وكان حلمه الدائم أن يجعله فخورًا به.
ففي عالمٍ شعر فيه أن الجميع ضده، حيث كان أهل القرية يسجنونه أحيانًا في حظائر الحيوانات عقابًا له، لم يجد الياس ال جده المنقض له

كان إلياس، مع كل موسمٍ يحلّ فيه الاصطياد، يقف أمام جدّه بطلبٍ يتكرّر كل عام: أن يسمح له بالخروج في إحدى رحلات صيد سمك الزيراء.
لم يكن طلبه بدافع المغامرة وحدها، بل رغبة صادقة في أن يرى الفخر في عيني الجد.
لكن الجواب كان يأتيه دائمًا حاسمًا:
حين تبلغ الخامسة عشرة، وتعتمد على نفسك.

وفي هذا العام… بلغها.

لم يتراجع الجد عن وعده. أخذ يبحث له عن رحلة تتهيّأ للإبحار، مستعينًا بأحد معارفه القدامى من الصيادين. وحين أخبر إلياس بذلك، اشتعل الفرح في صدره، حتى كاد لا يسعه. وعد جدّه، بنبرة واثقة وصلبة، أن يعود له بأكبر سمكة زيراء عرفها البحر.

في صباح اليوم الموعود، وبعد شروق الشمس بدقائق قليلة، خرج إلياس من بيت جدّه أعلى الهضبة. كان يحمل رمحه على كتفه كمن يحمل مصيره.
وقبل أن يتجه نحو الميناء، صعد إلى قمة الهضبة. وقف هناك لحظة، يتأمل هدوء البحر الممتد، يسمع صياح طيور الجرفن، ويشعر بنسمة الرياح العليلة تلامس وجهه. استنشق الهواء النقي بعمق، كأنّه يختزن القوة في صدره، ثم انطلق.

هبط من أعلى الهضبة كالسهم، يخترق الطريق، مارًّا بالقرية. رفعت النساء رؤوسهنّ عن أعمالهن اليومية، تبادلن النظرات والهمسات، وبعضهن تساءلن في صمت:
أهو ذاهب إلى الصيد؟

وصل إلياس إلى الميناء، وبدأ يبحث عن سفينة رجل يُدعى القائد روبين، أحد الصيادين الذين عملوا مع جدّه قديمًا.
عرف السفينة فورًا؛ من مقدمتها الخشنة، ومن تشققات خشبها، ومن مظهرها غير المرتب. اتجه نحوها، فوجد طاقمها منشغلين بحمل الأمتعة استعدادًا للرحلة.

سألهم عن القائد روبين، فلم يجبه أحد. أعاد السؤال، ولم يلتفت له أحد.
جلس إلياس متربعًا على الأرض، يراقبهم بصمت، منتظرًا.

وبعد مدة ليست بالقصيرة، وقد ارتفعت الشمس أكثر في السماء، ظهر رجل من بين السفن.
نهض إلياس بعينيه نحوه… ثم تجمّد.

كان القائد روبين ذا بنية قوية رغم سنّه، عضلات بارزة، ويدان ضخمتان، وطول فارع. لحيته سوداء كثيفة، وعيناه حادتان تشعّان صلابة وجدًّا.
الصدمة الكبرى لم تكن في هيبته، بل في كونه… عجوزًا.

اقترب إلياس منه وسأله بنبرةٍ غلبها التردد:
— أأنت القائد روبن؟

لم يجب الرجل مباشرة، بل ردّ بسؤالٍ مضاد، وهو يحدّق فيه بعينين ثابتتين، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة:
— أأنت حفيد عجوز الهضبة؟

أومأ إلياس برأسه قائلًا نعم، وقد استغرب اللقب الذي أطلقه على جدّه. عندها قال القائد روبن بصرامة:
— حسنًا… أنا لا أقبل الضعفاء على سفينتي، فأرجو ألّا تكون منهم.

لم تُرهب الكلمات إلياس، بل ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه، ونظر إلى روبن نظرة تحدّ. فهم القائد الرسالة، فابتسم هو الآخر، ثم وضع يده اليسرى على كتف إلياس وربت عليه بقوة، كأنه يختبر صلابته، وقال:
— أرجو ذلك… فاستعد.

دعاه للصعود إلى السفينة.
ارتفعت الأصوات، وصاح منادٍ:
— ارفعوا الأشرعة!

وانطلقت الرحلة.

امتدّت الساعات في عرض البحر، ولم يجد إلياس ما يفعله سوى التأمل في زرقة الماء، وجماله، وتنوّع مخلوقاته.

كانت الرحلة ستستغرق أربعة أيام، مقسمة على مراحل دقيقة:

اليوم الأول:
تجهّز الطاقم لتجهيز الشباك الكبيرة، يُزرع الطعم بعناية فائقة داخلها.
إلياس راقب كل حركة، متعلّمًا تفاصيل المهنة من القائد روبين، مستوعبًا كيفية توزيع الشباك بحيث تغطي مناطق الاصطياد الأكثر كثافة.

اليوم الثاني:
رمي الشباك في مواقع الاصطياد المحددة مسبقًا. استغرقت العملية ساعات، إذ كان على الصيادين التأكد من ثبات الشباك وعدم تحركها بفعل تيارات البحر، ومراقبة الطعوم المعلقة لجذب أسماك الزيراء.

اليوم الثالث:
خصص للصيد التقليدي بالغوص والرماح. هنا أتيحت الفرصة لإلياس أن يثبت مهارته.

غطس إلياس في عمق البحر، المياه تحيط به من كل جانب كستار أزرق شفاف. فتح عينيه، فانكشف له عالمٌ لا يُرى إلا تحت الأمواج: تحالب ملونة تتراقص مع التيار، أسماك صغيرة وكبيرة تتنقل بانسجام، وشعاب مرجانية تنبض بالحياة وكأنها قلب البحر.

ركز على هدفه، أسراب الزيراء. كانت تتحرك بين الصخور والتحالب، تحوم حول أعماق لا يجرؤ الكثيرون على الغوص فيها. شعر إلياس بنسيم المياه حوله وكأنها تهمس له: ركز، لا تشتت نفسك، الهدف أمامك.

اقترب أكثر، يتسلل بين الصخور بحذر، يراقب حجم كل سمكة، يختار الأكبر والأقوى. كل ضربة رمحه تحتاج إلى توقيت مثالي: لا أسرع ولا أبطأ.

ثم لمحها. سمكة ضخمة، أكبر بكثير من أي سمكة رأها في حياته، تتهادى قرب صخرة كبيرة. شدّ قبضته على رمحه، أخذ نفسًا عميقًا، ركّز، وأطلقه بثقة. اخترقت السمكة الرمح، لكنها حاولت الهرب بقوة، تمر بين الصخور والطحالب.

بدأت قوة تنفّس إلياس بالانتهاء، فشعر بأن الهواء في رئتيه يقل شيئًا فشيئًا، فانطلق مسرعًا نحو السطح، يركض في الماء مستخدمًا كل قوته، حتى تمكن أخيرًا من الإمساك بالسمكة، ممسكًا الرمح معها، وصعد بها نحو سطح الماء.

خرج إلياس مبللًا ومجهدًا، لكنه مبتسم بفخر، شاكرًا البحر على اختباره لقدراته.
حين ظهر على السطح، ارتفعت أصوات الطاقم جميعًا، يصفقون ويهتفون باسمه:
— إلياس! إلياس! لقد ولد بطل جديد!

ابتسم إلياس بدهشة وفرح، إذ لم يتوقع هذا الترحيب والاعتراف بمجهوده.
كان شعور الفخر يملأ صدره، فهو لم يثبت مهارته أمام نفسه فحسب، بل أمام جميع الصيادين على السفينة.

ومع حلول صباح اليوم الرابع، بدأت المرحلة الأخيرة من رحلة الصيد.
تحرك الطاقم بحذر نحو مواقع الشباك التي تم رميها في اليومين السابقين. كل شخص يعلم أن هذا الصباح سيكشف عن مدى نجاح رحلتهم، فالشباك المملوءة هي ثمرة جهود الأيام الثلاثة الماضية.

بدأوا بسحب الشباك واحدة تلو الأخرى، تخرج من الماء ممتلئة بأسماك الزيراء الأسود، المعروف بينهم بـ “الذهب الأسود”، تتلألأ تحت أشعة الشمس وكأنها هدايا البحر.

صرخ بعض الصيادين بحماس، وأشاروا إلى كمية الأسماك الكبيرة، بينما حمل آخرون الشباك الثقيلة بحذر، خوفًا من أن تفلت الأسماك قبل أن تصل إلى السفينة.
تحركت السفينة ببطء محملة بالغنائم، والفرحة تعم وجوه الجميع، فقد كانت رحلة ناجحة بكل المقاييس.

ارتفعت أصوات الطاقم بالضحك والهتاف، كل واحد يشارك الآخر سعادة الإنجاز، بينما البحر أمامهم يمتد هادئًا، شاهداً على مغامرة ثلاثة أيام ملؤها التحدي، الشجاعة، والمهارة

ما إن لاحت ملامح الجزيرة من بعيد، حتى خفّت سرعة السفينة، وبدأت أصوات الميناء تعود شيئًا فشيئًا.
عاد الصيادون إلى أماكنهم، وكل واحد منهم ينظر إلى الغنائم كمن يحصي تعب الأيام الماضية.

حين رست السفينة، كان بعض أهل القرية قد تجمعوا عند الميناء، يراقبون عودة القوارب بفضولٍ معتاد.
لكن هذه المرّة، لم تكن العودة عادية.

أُنزلت الشباك الثقيلة، وظهرت أسماك الزيراء السوداء بكثرة، فتبدلت الوجوه، وارتفعت الهمهمات.
رأى الناس الغنائم، لكن أنظارهم توقفت عند إلياس.

كان يقف قرب مقدمة السفينة، صامتًا، متعبًا، وفي عينيه شيء جديد… شيء لم يكن موجودًا من قبل.
لم يعد ذاك الفتى المنبوذ في الأزقة، بل شاب عاد من البحر وقد امتحنه وخرج منه مرفوع الرأس.

تبادل الصيادون نظرات ذات معنى، وبعضهم ابتسم، وآخرون اكتفوا بالصمت، لكن الخبر كان قد انتشر:
إلياس غاص… وصاد… ونجا.

غادر إلياس الميناء دون أن يلتفت كثيرًا، حمل رمحه وسار صعودًا نحو الهضبة.
كانت خطواته أهدأ من ذهابه، أثقل قليلًا، لكنها أكثر ثباتًا.

حين بلغ بيت جدّه، وجده جالسًا أمام الباب، كأنه كان ينتظر.
لم يتكلم إلياس، ولم يرفع السمكة، لم يحتج إلى كلمات.

نظر الجد في عينيه طويلًا… ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، نادرة، وقال بهدوء:
— عدتَ سالمًا.

في تلك اللحظة، شعر إلياس بشيءٍ ينكسر في داخله، وشيءٍ آخر يُبنى.
لم يعد البحر مجرد حلم، ولم تعد القرية مجرد سجن.
لقد خطا خطوته الأولى… في عالم لا يرحم، لكنه يعترف بالقوة لم يكن إلياس يدرك، وهو عائد بما كسبه من البحر، أن القادم لا يحمل له استقرارًا ولا سكينة، بل فاجعة ستبدّل مسار حياته وتغمر أيامه بظلالٍ قاتمة.
لحظة واحدة فقط ستكون كفيلة بأن تنزع عنه براءة البدايات، وتدفعه إلى عالمٍ أقسى مما عرفه من قبل.

فكيف سيتعامل إلياس مع المصير الذي يقترب منه بصمت؟

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button