
كان صَابِح أول يوم في المَدرسة، قعدت في أوضتي أجهِّز حاجتي، ساعتها تيتة دَخَلت عليَّا وفي إيدها علبة آيس كريم وقالت لي:
-الآيس كريم اللي بتحبّيه يا لين.
في اللحظة دي؛ فَرحتي مكانتش تتوِصف، إحساسي إن حد يهتم بيَّا، ويجيب لي الحاجة اللي بحبها خلَّاني طايرة من الفرحة، وتيتة أكتر حد بيهتم بيَّا، ومن وقت للتاني بتدخل عليَّا الأوضة بالآيس كريم، وأنا اتعوِّدت منها على كِدَه، عشان كِدَه قلت لها:
-ربنا يخليكي ليَّا يا تيتة.
في نفس الوقت؛ كُنت مبسوطة إني هَرجع المدرسة وأقابل زميلاتي بعد أجازة طويلة، عشان كِدَه أكلت الآيس كريم ونِمت، وأوِّل ما صحيت من النوم، وَقَفت قدَّام المِراية ألبِس مَريلتي، وقابلتني المُشكلة المعتادة، ماكنتش طايلة أربط حِزام المريَلة ورا ضهري، نَدهت على أمي لكنَّها ماسمعتنيش، حسِّيت إن الوقت بيتأخَّر وبَاص المَدرسة هيفوتني، حاولت من تاني أمِد إيدي ورا ضَهري وأحاول أربط الحزام؛ لكن اتفاجئت إن تيتة جاية من ناحية الكنبة اللي في أوضتي، وبتمِد إيدها وبتمسك الحزام وبتربطه وبتقول لي:
-أنا هساعدك وأربُط لِك الحِزام، وكمان هسرَّح لِك شَعرك وأعمل لِك ضفيرة.
بعد ما خلَّصت سابتني وخرجت، وقَفت أبُص لنفسي كتير في المِراية، شَكلي كان حلو جدًا، وأوِّل ما سمعت كلاكس البَاص أخدت شنطتي، نزِلت الصالة وجريت ناحية باب البيت، أمي ندهت عليَّا بصوت عالي، بسّ أنا ماردِّيتش وخرَجت من البيت على الجِنينة وبعدها على الشَّارع، بَاب البَاص اتفَتَح وِطلِعت، سلِّمت على زميلاتي، لاحظت إنهم بيسلِّموا عليَّا وبيبصُّوا ناحيتي باستغراب، قَعدت في مكاني لغاية ما وصلنا المدرسة، محدِّش منهم كان بيتكلّم معايا، ولمَّا دخلت الفَصل، لاحظت إنهم لسَّه بيبصُّوا ناحيتي بطريقة غريبة، ولأن من عادتي إنِّي بشيل مِراية صغيَّرة في شنطتي، طلَّعتها وبصَّيت لِشكلي، ملاحِظتش أي حاجة غريبة، شَعري مِتسرَّح وضفايري مظبوطة زي ما جدِّتي عملتها بالظبط، دخَّلت المراية في الشَّنطة وقَعَدت في مكاني، ولمَّا الميس دَخَلت وبدأت الحِصَّة، اتفاجئت إنها بِتبُص لي برضه بطريقة غريبة، لِدَرجِة إنَّها وَقَّفِت شَرح وقالت لي:
-يا لين، مُش عاوزة أشوفِك بالشَّكل دَه تاني!
ماكُنتش عارفة مالُه شَكلي! بدأت أتجاهل نظراتهم لِيَّا، لأني مُش شايفَة في شَكلي حاجة غَريبة، حَاوِلت أتعامل عادي لِغاية ما اليوم انتَهى، بس نظراتهم مانتهَتش، لحد ما نِزِلت مِن البَاص قُدَّام البيت، وأوِّل ما دَخَلت من البَاب لقيت أمي، أوِّل ما شافتني صَرَخِت في وِشِّي وقَالِت:
-إنتِ إزَّاي تُخرجي بالشَّكل ده؟!
مكَانش عندي رد غير إني قُلت لها:
-مالُه شَكلي، تيتة عَملالي ضَفيرة وِربطالي حِزام المَريلة.
أمي اتجمِّدت في مكانها مانطقِتش، فضلت تبُص لي في ذهول، بَس كُل دَه مَكَانش فارِق معايا، اللي كان في دِماغي إنِّي أطلَع أوضتي أقف قُدَّام مِرايتي، وأشوف أنا شَكلي مالُه..
قُدَّام المِراية كانِت صورة تيتة معكوسة وهي واقفَة ورايا بتفِك لي حِزام المَريَلَة، وبتفِك لي الضفيرة اللي عملتها الصُّبح، بصِّيت ناحيتها وقُلت لها:
-تيتة، ليه كلهم شايفين إني مش حلوة؟!
ساعتها ضِحكت وقالت:
-النَّاس ما بِتشوفش الحاجة الحلوة، بينتقدوا وِبَس.
اليوم فات ونمت، لكنّي صحيت في نُص الليل من العطش، خَرَجت من أوضتي عَشان أشرب، لقيت تيتة في الطُرقة، أخَدتني من إيدي لِحد المَطبخ، ولمَّا سألتَها: أنتِ ليه صاحية لغاية دِلوَقت، ابتسمت لي وقالت:
-عَشان أسقيكي لمَّا تِعطَشي.
بعدَها ناولتني علبة آيس كريم، ونِزلت على السلِّم لحد الصالة تَحت، نزِلت وراها عشان أندَه عليها، لكنِّي مالقيتهاش، بس قُلت زمانها دَخلت أوضتها، محبِّتش أخبَّط عليها، قُلت أسيبها ترتاح، وأنا كمان كنت عاوزة أكمل نومي عشان أصحى للمدرسة بَدري.
بعد ما رجعت أوضتي ونمت، نُور الأوضة صحَاني من النوم لمَّا اتفتَح، لقيت أمِّي واقفة جنب سريري، وساعتها سألتني سؤال غريب:
-أنتِ كنتِ في الأوضة عندي يا لين؟
ردِّيت والنوم كان غالبني:
-أنا مَدخلتش الأوضة عندك.
لقيتها بترفع إيدها بعلبة آيس كِريم زي اللي أخدتها من تيتة وقالت لي:
-أنا حسِّيت بحَرَكة عندي في الأوضة، فتحت نور الأباجورة مالقيتش حد، لكن لقيت العلبة دي على الكومدينو.
قُلت لها:
-دي علبة آيس كريم من اللي تيتة بتعطيها لي.
وِش أمِّي جاب ألوان، فضِلِت تبُص لعلبة الآيس كريم بخوف، بعدها سابِتها على الكومودينو بتاعي، وخرجت من الأوضة من غير ما تنطق بكلمة. في اللحظة دي، افتكرت إني من وقت ما رجعت من عند بنت خالتي ملاحظتش أمي بتكلّم تيتة، ولا بتقعد معاها، بس أنا ما كُنتش بشغل نفسي بالحوارات دي، قرَّرت أكمِّل بنفس الطريقة، تجاهلت اللي حصل ونِمت، بس اللي حصل كان خارج توقّعاتي، لأني حلمت بأمِّي؛ كانت واقفة قدَّام جدِّتي اللي قاعدة على كَنبة في الصَّالة، وكان في خِناقة بينهم، اللي قِدرت أفهمه من كلامهم إن جدِّتي مكانش عاجبها إن أمي خلِّفت بنت، كانت عايزة وَلَد، عَشَان يشيل اسم ابنها اللي بيسافِر كتير، وِعايزة حاجة منُّه تفضَل رايحة جاية قدَّامها..
لهجة أمِّي كانت حادَّة جدًا معاها، وجدِّتي اكتفت بإنَّها تِبُص ليها من غير ما ترُد، بعدها عدَّت قدَّامي أيام كتير، نفس المَشهد اتكرر وبنفس الطريقة، صحيت مفزوعة على صوت تيتة، كانت بتستغيث من ألم شديد، و لولا إنِّي لقيتها واقفة في الأوضة وماسكة مريلتي بتجهِّزها، كان زماني جَريت على أوضتها أطمِّن عليها..
مافتحتش في أي حاجة تخُص الحلم اللي شُفته، لبِّستني مَريلتي وجهزت، وخرجت على ميعاد بَاص المَدرسة، اليوم عدَّى زي اللي فات، نَظرات اللي حواليَّا مكانتش سَيباني، رجعت البيت، ومكانش هامِمني أي حاجة غير إنِّي أعرف ليه ملامح أمِّي غريبة، وِشَّها كان أصفر والخوف مسيطر عليها بشكل رهيب.
سيبتها وطلعت على أوضتي أغيَّر هدومي عشان أنزِل تاني، ولمَّا دخلت الأوضة، اتفاجئت إن تيتة منتظراني على الكنبة اللي في أوضتي، أوِّل ما شافتني مدَّت إيدها بعلبة آيس كريم وقالت لي:
-حمدالله على سلامة الغالية.
قرَّبت منها وحضنتها وقلت لها:
-الله يسلِّمك يا تيتة.
اتفاجئت إن أمي طلعت ورايا، صَرَخِت فيَّا وقالت لي بصوت عالي:
-بتكلِّمي مين يا لين؟!
بصِّيت ليها بذهول وقُلت لها:
-بسلِّم على تيتة.
شَدَّتني من إيدي وصرخت فيَّا:
-ابعدي عن الكَنبة، واتفضّلي انزلي تَحت.
اتصدمت من طريقة أمّي، نزلت الصالة زي ما قالت لحد ما أفهم إيه اللي بيحصل، وساعتها اتفاجئت بمنظَر غريب، أمِّي شَدَّت الكَنبة نزِّلتها من الأوضة وخرَّجتها الجنينة، ولقيتها بتولَّع فيها، خرجت عَشان أعرف إيه اللي بيحصل، لكن أمِّي منعتني أقرَّب من الكنبة، وِطَلَبِت منِّي أرجع لأوضتي تاني!
لمَّا طلعت لَقيت جدِّتي في الأوضة، لكن المرَّة دي كان شكلها يخوِّف، عبايتها البيضا زيِّ ما يكون عليها دُخَّان أسود، وِشَّها كأن عليه صدأ وكأنها خارجة من حَريقة، صوتها المرَّة دي كان مُخيف وهي بتبُص من الشبَّاك على الكنبة اللي النار بتاكلها وبتقول لي:
-اتعوِّدي على شَكلي الجديد يا لين، بس مش عاوزاكي تخافي!
بَعدها اختفت من الأوضة، واللي خلَّاني مدوَّرش عليها؛ هوَّ إنِّي لمحت دُخان أسود من الشِّباك، بصِّيت لَقيت أمِّي مطلَّعة هدوم تيتة كلها وبتولَّع فيها زيِّ ما ولَّعت في الكنبة.
ماقدرتش أتحمِّل ونزِلت، صرخت في أمي وسألتها:
-ليه بتعملي كِده؟
ساعتها ردَّت عليَّا رَد صدمني:
-عشان جدِّتك ميِّتة يا لين!
مَقدرتش أقف على رجلي من الصَّدمة، ماكنتش فاهمة ماتت إمتى وإزاي وأنا بشوفها كل يوم، ولمَّا هيَّ ماتت ليه بابا منزلش من السَّفر ولا كان في عَزَا؟
فقدت الوعي من الصدمة ووقعت في الأرض، وساعتها حلمت بحِلم غريب، شُفت أمِّي وهيَّ بتحط السِّم لِتيتة في علبة آيس كريم، عشان تخلص منها وترتاح من معايرتها بإنها خلِّفت بنت، كانت نفس العلبة اللي تيتة بتعطيهالي من وقت للتاني، ونفس العلبة اللي أمِّي لقَتها على الكومودينو، وساعتها شُفت تيتة وهي بتصرخ من ألم بطنها، كانت نفس الصرخة اللي سمعتها في الحلم اللي فات، واللي مكمِّلش وقت طويل بَعده وماتت على الكنبة اللي في أوضتي!
وفي نفس الحلم، شُفت أمِّي واقفة في أوضتي وبتبُص للكنبة بخوف، تقريبًا شافت حاجة خلَّتها تحِس إن روح تيتة ساكنة فيها، عشان كِده أمي مكانتش بتقرَّب من الكنبة، حتى لمَّا كانت بتنضَّف أوضتي كانت بتسيبها على وضعها، ومقرَّبتش منها غير لمَّا سحبتها لتحت في الجنينة عشان تحرقها!
لمَّا رجع ليَّا الوعي، لقيت أمِّي بتطبطب عليَّا، لكن لأول مرَّة أحس بِكُره ناحيتها، قُمت وطلِعت أوضتي، غلبني النوم لحد الصُّبح، وقُمت لقيت تيتة بشكلها المُخيف منتظراني بمريلة المدرسة وفي إيدها علبة الآيس كريم، عملت لي ضفيرة وربطت لي حزام المريلة، وساعتها عادت عليَّا نفس الكلام:
-اتعوِّدي على شَكلي الجديد يا لين، مش عاوزاكي تخافي!
اتعوِّدت على شكل تيتة الجديد، واتعوِّدت إنها تلبِّسني المريلة وتعمل لي ضفاير، وعلى سُخرية الناس اللي بتشوفني في المدرسة، واتعوِّدت على علبة الآيس كريم اللي بتعطيهالي من وقت للتاني، ومعرفش ليه كنت بعمل كِدَه، والأغرب من كل ده، إني بقيت بقوم بالليل من النوم كتير، وكنت بشوفها بتدخل أوضة أمِّي من الباب وهوَّ مقفول، واتعوِّدت أكتر إني أسمع استغاثة أمِّي، لِحد ما في ليلة أمي استغاثتها كانت أصعب من كل ليلة، عشان كِدَه دخلت أوضتها..
ماكنتش أعرف إنها الاستغاثة الأخيرة، لأني لمَّا دخلت لقيتها قاطعة النَّفس، ومكانش قدَّامي غير إني أتصل بأبويا؛ حكيت له، ساعتها حجز على أول طيارة ونزِل، ومن بعد اللي حصل فهمت كل حاجة..
أمي ماتت عشان أكلت آيس كريم جوَّاه سِم، عن نَفسي كنت عارفة إن تيتة اللي عملت دَه برغم إنها ماتت زي ما أمي قالت، بَس اللي اكتشفناه بعدين؛ خلَّاني أعرف إن الأحلام اللي شُفتها كلّها كانت واقع، حتى لمَّا حكيت لبابا عن اللي حصل مكانش مصدَّق، وقال إنه سأل ماما عن تيتة وقالت له: إنها راحت عند خالته تقعد هناك، والشَّبكة عندها واقعة ومكانش بيعرف يكلِّمها، بَس بعد عَزَا ماما لمَّا خالته جَت تعزّي، اتفاجئ إنها بتسأل عن تيتة، وعرِف إنها مراحتش هناك، وبعد ما قلب الدنيا عليها، بدأ يصدَّق الأحلام اللي حكيتها، وفضِل ماشي ورا الحكاية لحد ما لقينا تيتة مدفونة في الجنينة ورا البيت..
ساعتها بَس عرفت ليه محدِّش كان بيشوف كل اللي تيتة بتعمله معايا، لأنها كانت مجرَّد روح، وطالما ظهرت لي فأكيد أنا بَس اللي بشوف اللي عملته معايا، وفهمت ليه برضه روح تيتة كانت بتنتقم لنفسها، لأن أمّي استغلَّت وجودي برَّه البيت لمَّا كنت عند بنت خالتي، وحطَّت سِم في الآيس كريم، وتيتة أكلِتُه وهيَّ قاعدة على الكنبة اللي في أوضتي، وساعتها ماتت على نَفس الكنبة، بعدها أمّي سحبِت تيتة زي ما سحبت الكنبة ونزلت بيها في الجنينة، أخدتها ورا البيت ودفنتها، بالظبط زي ما شُفت في أحلامي، كل دَه اتعرَف لمَّا لقينا جثّة تيتة، ده غير كمان إني اكتشفت إن الآيس كريم اللي أكلته في الفترة الأخيرة مكانش حقيقي، دي كانت عِلَب قديمة تواريخها قبل ما أرجع من عند بنت خالتي، وعرفت ده من التاريخ المكتوب على آخر علبة فاضية كانت لسَّه في أوضتي، وده معناه إن روح تيتة أقنعتي بكل اللي فات حتى لو مش حقيقة، حتّى السِّم نفسه اكتشفنا إن ماما كانت عايناه في الدولاب، وطبعًا حطَّت منُّه لتيتة، وأكيد روح تيتة كانت عارفة مكانه وأخدت منُّه عشان تِسِم أمّي. ومن بعد اللي حصل؛ أبويا قرَّر ياخدني معاه وهوَّ مسافر ويقفل البيت، ومن الوقت ده مَابقتش أشوف تيتة، لا في شكلها الطبيعي؛ ولا في شكلها اللي يخوِّف، وجودها كان انتهى خلاص بخروجها من الجنينة، وانتهى معاها حكاية علبة الآيس كريم.
#آيس_كريم
#محمد_عبدالرحمن_شحاتة


