روايات كاملة

قشقاي

الترقية الجديدة أخيرًا وصلت، كنت طاير من الفرحة وهما بيبلغوني الخبر، ماكنتش مصدق نفسي لما مدير الإدارة كلمني؛ وأكد عليا الترقية.. وقال لي إني لازم أعدي عليه في مكتبه، ماكدبتش خبر وقومت اتحركت بسرعة، وفي طريقي لمكتبه فكرت الزيادة المادية، والوضع الوظيفي الجديد، وأحلامي اللي بدأت تتحقق، عربية وشقة وعروسة.. لما دخلت مكتبه، الابتسامة اللي كانت مرسومة على وشي وملامحي اختفت، نزل عليا سهم الله زي ما بيقولوا، وزي ما يكون حد مسك جردل ماية متلجة وحدفه عليا.. وده ناتج كلام مديري ليا:
_ مبروك يا بشمهندس.. تم اختيارك كرئيس إشراف على الموقع الجديد، اللي بنستكشفه في الواحات.. حضر نفسك بقا واستعد.. قدامك ٣ أيام بس على السفر، وماتقلقش خالص.. مرتبك هيزيد الضعف، بالإضافة لميزانية كبيرة جاهزة لكل الطاقم المعاون ليك.. بالتوفيق.

ماقدرتش أنطق، خرجت من مكتبه وأنا حاسس ان حد اداني كف على قفايا.. مش عارف اعيط ولا اضحك.. الواحات؟ اللي سمعته ده حقيقي؟ كل اللي بسمعه عن الأماكن دي ان اللي بيروحها مابيرجعش زي ما كان، يا إما بيتجنن يا إما بيسيب الشغل أصلا.

انا كده اتنفيت مش اترقيت.. لكن ما باليد حيلة، مافيش قدامي غير السفر، لان ممكن ده يبقى تحدي ليا، ولو عديته ممكن يبقى لي شأن أكبر، شجعت نفسى بالكلام ده، وأقنعت نفسي ان اللي بيحاول يحقق حلم، فلازم يجتاز الصعاب، وكل الكلام العميق الحلو ده، وقولت يمكن ينفع المرة دي، يمكن.

بدأت أحضر حاجتي وشنطى، وبدأت كمان اعمل سيرش على المكان اللي أنا رايحه وطبيعته، وأسأل معارفي عنه، يمكن اطلع بحاجة تفيدني.. بعد سيرش على جوجل مرة واتنين وتلاتة ماوصلتش لأي نتيجة.

يومين فاتوا وكنت ودعت كل أصحابي، وماكنش فاضل غير واحد قريبي بس، وهو لواء جيش متقاعد.. ما أعرفش ليه أصلًا بودعهم كأني مهاجر ومش راجع أو رايح حرب مثلًا.. روحت زورته في اليوم الاخير؛ قبل ما امشي في فجر اليوم الرابع.. وفي وسط القاعدة سألني:
_ وفين البير الجديد ده ياهندسة؟
_ والله يا عمو بيقولوا في الواحات، في مكان كده اسمه غريب شوية، بيبعد عن الواحات تقريبا 100 كيلو، ما أعرفش تفاصيل بصراحة.. والاسم من كتر ما هو غريب كل ماافتكره انساه، عملت سيرش عنه على جوجل وبرضو بنساه، ولقيته بيقول لي:
_ قشقاي.. أنت أكيد رايح قشقاي.
كانت نبرة صوته غريبة، خلتني أحس إن الدنيا انتهت، فقولت له:
_ أيوه هو قشقاي ده.. ماله بقى؟ وليه نبرة صوتك اتغيرت كده.. ماتخوفنيش بالله عليك.
جاوبني وقال:
_ لا عادي، مافيش حاجة تخوف،هو مكان فقير أوي بالموارد،والعيشة هناك صعبة شويتين.. فخلي بالك على نفسك..

سكت برغم إن طريقته مش مريحة خالص، وبعدها استأذنته ومشيت.. فنزل وصلني وقال لي:
_ زمان حد حكى لي مرة عن سارية إيطالية، دخلت من ليبيا مصر وتاهت في المكان ده، وكانت سرية مهمة جداً، وعددها كبير، وبحثوا عنها كتير ومالقوهاش، وكل فرقة بتروح تدور مبترجعش، واللي رجعم يتعدوا على الصوابع، وكانوا مغيبين وماتوا بعد رجوعهم بأيام.
سمعنا كتير حكاوي غريبة عن المكان ده، اللي قال في فجوة زمنية بتسجن جواها اللي بيقرب منها، واللي قال لعنة فراعنة مسيطرة على المكان، واللي قال إن المكان مسكن للجن.. مجرد كلام مش أكتر وحكايات من غير أي اثبات.. أنا مش بخوفك، بس الحرص واجب، وخلي بالك على نفسك.

فضلت افكر هل اللي سيادة اللواء قاله ممكن يكون حقيقي فعلاً، ولا حكايات متوارثة عن الجن واللعنات؛ زي اللي كلنا بنسمعها واتربينا عليها؟ وإزاي الشركة حددت موقع معين جوه المكان ده وهو اللي بيروح بيختفي؟ ولا هو مكان كبير في منطقة منه فيها الفجوة دي والباقي مكان آمن؟
أسئلة كتير بصراحة مالهاش إجابة، غير إن اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين زي ما بيقولوا، وأنا توكلت على الله "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" وعزمت وتوكلت وسافرت..

أول ما الأتوبيس اتحرك أنا نمت بسرعة، وتقريبًا روحت في غيبوبة! صحيت على صوت الزملا بيقولوا وصلنا، لقيت فات ٩ ساعات كاملين.. وصلنا الواحات، والمنظر هناك كان جميل، طبيعة خلابة تحسسك بالتفاؤول والسعادة، وجه واحد بدوي قابلنا وضايفنا، وقال إن بعد ساعتين هنتحرك.. استريحوا من السفر واتغدوا الأول وبعدين نتحرك.

وقد كان؛ كلنا، وشربنا شاي بدوي جميل.. وجت عربيات نقل مخصصة للمشي في الصحرا والرمال عشان تنقلنا،
وبعد حوالي ساعة ونص مشي بالعربيات وقفنا، والراجل البدوي سلمنا لواحد بدوي تاني، واتكلموا مع بعض بكلام مافهمنهوش، وكانت نتيجته انه بلغنا إن المنطقة اللي بعد كده صعب العربيات تدخلها، فلازم نمشي على رجلينا نص ساعة بس.. بعد ساعتين اجمالي المشي في الصحرا؛ ما بين ركوب ومشي على الرجلين وصلنا.. مكان عجيب مريب، مكان مهجور فعلًا، ده بقا اللي مفروض هنقعد فيه شهرين، المشهد كفيل يخليك ترجع وماتفكرش في وظيفة ولا شغل تاني، لكن ماكنش ده الغريب وبس، زاد غرابته لما البدوي اللي كان بيرشدنا للطريق قال:
_ أرض قشقاي مفيش حد عَمّر فيها أكتر من يومين. وسابنا ومشي، وكأنه اختفى.

40 شخص واقفين متنحين، ما بين مهندسين وعمال كلهم واقفين ومرسوم على وشوشهم نفس الإحساس اللي بيعبر عن الاستغراب والدهشة! وتقريبا كلنا في عقلنا نفس السؤال: معناه إيه الكلام المخيف اللي البدوى قاله ده؟

استغربنا أكتر لما لقينا مفيش أي معدات، أو أي حاجة تدل إن في حد جه هنا قبلنا من الشركة، كل اللي موجود عبارة صحرا، وفيها بيت تحس إنه يقى له ١٠٠ سنة.. مافيش شبكة وكل الموبيلات مش مجمعة، ومافيش أي حاجة ممكن تتعمل؛ غير اننا ندخل البيت العجيب ده، ونشوف ونستني ايه هيحصل.

البيت كان قديم جداً، العنكبوت في كل مكان، والتراب والرمل مغطين كل حاجة جواه، ومليان تماثيل شكلها غريب في كل ركن جواه.. شدني تمثال فرعوني للقط الشهير، أنا اصلا بخاف منه… ده اول حاجة عيني جت عليها.. كل واحد فينا بدأ يستكشف جزء من البيت الأثري ده وبدأنا نتفرق.. الدور اللي تحت بتدخل من الباب بتلاقي بار في المقدمة، وفناء واسع اشبه بساحات الانتظار في الفنادق، او اللوكاندات القديمة بتاعت وسط البلد، والتماثيل في كل ركن طبعا.. أثاث وعفش قديم مالوش ملامح من التراب اللي عليه.. قسمنا بعضنا ان ناس هتبدأ استكشاف وتنضيف تحت، وناس هتعمل نفس المهمة في الدور اللي فوق، وأنا كنت ضمن اللي هيطلعوا فوق.. ويارتني ما طلعت ولا اتهببت.

بدأ الطريق بسلم خشبي ملفوف، اللي على جوانبه صور وبورتريهات مش مفهومة وتخلي قلبك يتقبض، بخطوات بطيئة، ودهشة على ملامحنا واحنا طالعين وبنتفرج على الصور السلم خلص، وبدأت بالظهور طورقة، أو ممر طويل مضلم، في أرضة في سجادة طويلة، اقدر أخمن إن لونها كان أحمر، وبدأت أسأل نفسي: هو اللي إحنا فيه ده حقيقي ولا الكاميرا الخفية؟

وماكنش في إيدينا غير إننا نكمل استكشاف، ونشوف هنلاقي أغرب من كده إيه في انتظارنا..بدأنا نمشي في الممر ونشغل كشافات تليفوناتنا، وساعتها الرؤية كانت أوضح شوية.. ممر طويل، وعلى الجانبين أوض كتير، وفي آخر الممر أوضة في الوش. تقريباً عدد الأوضة كان ٢١، ١٠ على اليمين وزيهم على الشمال والأوضة اللي في الوش.. والأغرب إن كلهم أبوابهم مفتوحة، إلا الأوضة اللي في الوش.. كانت مقفولة بأكتر من قفل..

ماجاش في بالي، ولا حسيت بأي فضول إني أفتح بابها، انا اصلا خايف لوحدي، فلما ألاقي باب مقفول بأقفال اروح افتحه؟ أكيد لا مش أنا الشخص ده وتقريبا مش كل المجموعة اللي طلعت معايا فوق .. في غرف وكتير وتمام هنظبطها ونقعد فيها لحد الصبح ونشوف اي طريقة للرجوع للبلدة اللي فيها حياة عشان نكمل الشركة ونعرف هنعمل ايه …

سمعت صوت واحد من العمال من تحت بينادي عليا، وبلغني ان فيه أوضة تحت وفيها أدوات تنضيف، مقاشات ومساحات ومنافض وكراكيب كتير كده.. نزلنا جبنا كل الحاجات اللي ممكن نحتاجها في التنضيف، وكان في حنفية ماية تحت، والغريبة انها شغالة، لا وكمان الماية حلوة صالحة للشرب! ده أغرب من كل اللي فات اصلا.. قسمنا بعض كل اتنين ينضفوا أوضة، عشان نحاول ننجز بسرعة.. ولما دخلنا الأوض كلنا وقفنا مذهولين.. الأوض من كلها كلها مترتبة ونضيفة جداً، والسراير مفروشة بملايات احسن من الفنادق ال7 نجوم، كلنا فضلنا نبص لبعض ومش عارفين نقول أو نعمل إيه.. وبعد دقيقة من السكوت قولت:
_ طيب يا جماعة؛ اللي معاه شنطة يحطها في الأوضة اللي دخلها، وبعدها ننزل تحت ونساعد بعض في تنضيف الدور اللي تحت احسن..

الكل نزل، وأنا أخرت نفسي عنهم شوية، لأني اتخايلت بصوت واحدة بتهمس وبتقول: (زوار قشقاي).

ولاحظ تأخري ده عم سالم، ولما الكل نزل تحت بص لي وقال :
_ سمعت اللي انا سمعته يا بشمهندس ؟
_سمعت ايه يا عم سالم؟
_ والله ما عارف دي تهيؤات ولا ايه يا بشمهندس، بس أنا سمعت واحدة صوتها حلوة اوي بتقول:زوار قشقاي. وأول ما دخلت الأوضة كانت واقفة واختفت في لحظة، لابسة فستان أسود زي اللي كانوا بيلبسوه في الحفلات بتاعت افلام الابيض واسود زمان! المكان ده غريب يا بشمهندس..

كلام عم سالم كان غريب، وخارج منه بنبرة كلها خوف، صدقته مع اني كنت مكدب نفسي اني سمعت حاجة اصلا، بس أنكرت وقولت له:
_ تلاقيك بس انت المدام وحشتك يا عم، فبيتهيأ لك انك بتشوف ستات.. مفيش حاجة يا عم سالم من الحاجات دي خالص، هو البيت اه شكله غريب، لكن ماتقلقش، كله هيبقي تمام.

نزلنا، وزمايلنا لقوا لوحة المفاتيح بتاعت الإنارة سليمة وفي كهربا، مش هستغرب بقا خلاص .كفاية موضوع الأوض المترتبة ده.. سيبتهم وخرجت بره، لأن ريحة التراب تعبتني جدًا، ووقفت على الباب أشم شوية هوا، وبرفع عيني، فنظري جه جت على شباك أوضة من الأوض اللي فوق، وساعتها اتصدمت، لأني شوفتها، الست اللي عم سالم قال لي عليها، واقفة ورا ازاز الشباك بنفس الفستان الأسود اللي وصفة عم سالم.. وأول ما لمحتها اختفت..

وسمعت صوت واحد بيصرخ من جوه: تعبان.. تعبان.
تعبان إيه ده اللي يخلي راجل يصرخ كده. اكيد ده اناكوندا مش تعبان.. جرينا بسرعة على فوق، وصراخ الراجل كان بيعلى، لحد ما طلعنا ولقيناه واقع على الارض.. اتلمينا عليه كلنا وحاولنا نفوقه، حاولنا لكن الوقت كان فات.. روحه رجعت للي خلقها.

حالة من الصمت الرهيب خيمت علينا. حالة من عدم معرفة ايه التصرف اللي ممكن نعمله.. الراجل ده مات ازاي؟ لا احنا عارفين دي سكتة قلبية من الخوف، ولا مات بسبب سم التعبان، ولا حتي لاقين تفسير وسبب إنه طلع فوق؟
وللمرة التانية؛ لقيتها واقفة في آخر الممر على باب الاوضة المقفول. وفجأة اتحولت لوحش..أفعي عملاقة ودخلت الأوضة والباب لا زال مقفول.
حسيت في لحظة اني انعزلت عن العالم بالكامل..
قررت ساعتها اني هاخد معايا كام حد من العمال، ونحاول نروح لأقرب قرية جنبنا، نطلب مساعدة..

ما أهو مش معقول هنفضل نتفرج على بعض واحنا بنموت واحد ورا التاني.. لا حد ممكن يوصلنا، ولا احنا بنحاول نوصل لحد.

سمعنا صوت عربيات جاي علينا. خرجنا كلنا نجري على الصوت. لقينا من بعيد عربيات كتير وبدأت تقرب لحد ما بقيت قريبة جدا مننا.. العربيات وقفت وكانت محملة معدات وآلات، ومعناها شوفت مديري في الشركة بابتسامته السخيفة، وقولت له:
_ انت بتضحك! في عامل مات مننا! وازاي وصلتوا بالعربيات لحد هنا؟ احنا قالوا لنا إن مفيش عربيات تقدر توصل للمكان ده، ورمانا هنا واحد غريب وقال كلام اغرب واختفى. هو ايه اللي بيحصل بالظبط؟
_ بص يا طارق، اللي مات مابتجوزش عليه غير الرحمة، قدره يا أخي، وانت مؤمن بالله وقضاءه وقدره، وهندفنه، الاهم اللي عايشين، وأننا نقدر نستغلهم ونخرج الكنز المدفون هنا، هنا يا طارق مافيش بترول، هنا فيه مقابر ادفنت من آلاف السنين، كنز هيخلينا في مكان تاني خالص، ركز معايا ياطارق لان دي فرصة مش هتتعوض..

و شاور للناس اللي معاه بتنزيل آلات الحفر، وشاور لناس تانية عشان ياخدوا جثة العامل يدفنوها. كل اللي فات وشوفناه كان غريب، لكن اللي حصل دلوقتي، وكلام المدير ده فوق الخيال، أنا ممكن استوعب العفاريت، أو أي حاجة، بس ما أقدرش استوعب ان في انسان ممكن يفكر بالطريقة دي..بس هعمل ايه؛ مافيش في ايدي غير اني اوافقه، لحد ما نقدر نرجع القاهرة بدون اي خساير تانية، كفايا الراجل اللي مات.

كان يوم غريب وعجيب ومحزن ومبكي، والليل دخل علينا، وفضلنا شغالين لحد ما انهكنا التعب، تقريبا بقت الساعة 12، وجه الأمر بتوقيف الشغل، ودخلنا كلنا البيت عشان نرتاح. وساعتها لقيت فرصة أتكلم مع المدير، فسألته:
_ يا فندم، انت عارف ايه اللي بيحصل جوه البيت ده؟
_ايه اللي بيحصل يعني ياطارق؟ شوفت لك عفريت مثلا؟ انت مادخلتش الجيش ولا ايه؟ طبيعي مكان زي ده فاضي ومهجور يبقى كده، وتشوف فيه عفاريت وحيوانات وكل ما تتخيله، وكل ما لا تتخيله، أنا عايزك تنسى الكلام الفاضي ده وتركز، لاني محتاج عقلك معايا، وتوجيه العمال في الشغل، عشان ماناخدش وقت، قدامنا 3 ايام بس ونكون خلصنا ومشينا.. روح نام يا بطل ورانا شغل الصبح.

سابني ومشي، وكلامه فضل معايا وفي بالي ماسبنيش، ايه الجبروت بتاع الراجل ده، وازاي اتخدعت فيه كده، يارتنا كنا فهمنا من الاول ان فيه حاجة غلط، بس في الاخر ده نصيبنا، الله يرحم الراجل اللي مات.

كل واحد دخل مكان نومه وسكن نفسه، وانا فضلت قاعد على كرسي قريب من باب البيت، الليل موحش والجو تلج، والقمر مخنوق بالسحاب، كل حاجة حوالينا بتقول ان في كارثة هتحصل..

السيجارة اللي في ايدي اطفت، من كتر ما أنا بفكر ونسيتها، رميتها، وجيت بولع واحدة تانية، يا دوب ولعت السيجارة وبعدل وشي، لقيت واحد واقف من بعيد وبيشاور ناحية البيت، كنت شايفه واقف بره، من ورا إزاز شباك كبير في الصالة تحت، انتبهت وركزت، لقيت وقفته غريبة جدا، واقف مابيتحركش وايده الشمال مفروده وبيشاور بيها في اتجاهي، جريت جبت كشاف من جوه عشان اعرف أبص أكتر، ولما رجعت كان اختفى.

في ايد لمست كتفي، اتنفضت من مكاني، ولما لفيت لقيته عم سالم:
_ في ايه ياعم سالم؟ في حد يعمل كده في الدنيا؟
_ هش، وطي صوتك، وتعالي ورايا براحة، في حاجة لازم تشوفها ضروري.

مشيت ورا عم سالم لحد ما وصلنا لباب البدروم، اللي لقينا فيه معدات التنضيف، وجوه اتفاجئت بعم علي مساعد رئيس العمال، والبشمهندس احمد واقفين باصين من شباك صغير من ورا الازاز.. شاورا لي أقرب بدون صوت، وبصيت من ورا الازاز، ولقيت عساكر لبسهم غريب! وشكلهم اغرب، وسلاحهم قديم جدا، يمكن انتهت صناعته من يجي 100 سنة فاتت.
واقفين صف واحد جمب بعض طويل وكبير جدا، وولا حد فيهم بيتحرك كأنهم اصنام.. الهوا قادر يخلع شجرة من جذورها، ودول ازاي واقفين كده بالثبات ده؟ قولت:
_ احنا لازم نخرج نشوف فيه ايه بسرعة

ماكملتش الجملة، وفجأة شوفنا رؤوسهم طارت واجسادهم وقعت على الارض، وكأن الارض بلعتهم واختفوا.. فضلنا بنبص لبعض واحنا مش عارفين ايه اللي بنشوفه ده..وظهرت من بعيد نفس الست ام فستان اسود، ماتعرفش تحدد هي ماشية بضهرها، ولا بوشها، ولا ايه اتجاهها تحديدا، بس تقدر تحس بالخوف والفزع لما تشوفها.

فضلت تقرب لحد ما وصلت للمكان اللي كان فيه العساكر، ووقفت، وبدأنا نسمع صوت غريب، مزعج، مخيف، كل ما يعلي كل ما تحس ان الدنيا بتنتهي، الأرض بتتهز جامد، والبيت حرفيا بيتهد، وسامع صوت الناس بره بتصرخ وبتجري.. فجأة ماحستش بنفسي غير لما ضوء الشمس وحرارتها جم على وشي..

فتحت عيني وقومت بسرعة، فوقت الناس من على الارض وخرجنا بره، المعدات كلها اختفت، رجعنا جوه البيت، لقينا مدير الشركة و4 عمال بس قاعدين وكل واحد حاطط ايده على راسه، كأن عيلته ماتت قدام عينه. سألته
_ ايه حصل؟ فين الناس والمعدات؟

رفع راسه وكأنه كان في معركة، كل مكان في وشه وارم ومتنفخ، وقال:
_ ما أعرفش، انا صحيت لقيت وشي كده، والناس دي صحيت معايا، ولا لقينا المعدات ولا الناس، كنت فاكر انكوا انتوا كمان مش موجودين..

وقام طلع فوق لوحده.. بصيت حواليا ولقيتني في وسط 8 اشخاص بعد ما كنا 40، ده غير الناس اللي جت مع المدير واختفوا.. سمعنا صوت المدير بيصرخ، ولقيناه نازل وماسك رقبته و عنيه خارجة بره وشه، ووقع على الارض، وفضل يترعش وسكت مرة واحدة

هدومه كانت مقطعة، ومكتوب عليها حروف وأرقام غريبة. ولما قربنا منه لقيناه مات.
قعدنا كل واحد سرحان لساعات، وقولت:
ساعدوني ندفنه، وبعدها هنمشي من هنا، واحنا ونصيبنا بقى، يا نموت يا نعيش، هو يعني هنشوف ايه اكتر من اللي شوفناه ده.. ودفناه. وكان الليل دخل مرة تانية، ومن كتر التعب نمنا، وصحيت فجأة على صوت عم سالم بيقول لي:
العساكر رجعوا تاني، ومفيش حد هنا غير انا وانت بس.

المرة دي فتحنا الباب، وشوفنا نفس المشهد بيتكرر تاني.
بس المرة دي فهمت، دي لعنة الحضور للمكان هنا والناس دي اتعمل فيهم زي ما اتعمل مع أول ناس جم هنا.. السرية الايطالية اللي قريبي قال لي عليهم، بس ليه انا وعم سالم تحديدا اللي لسه عايشين
فوقت من تفكيري وسرحاني، البيت بقا عبارة عن كوم تراب، وانا وعم سالم واقفين جوه صحرا مفيش اي حاجة حوالينا نهائي.. البيت اختفى، الشمس حارقة، درجة الحرارة تعدي ال60.. مافيش ماية ولا اكل، ولا أي حاجة تساعد على الحياة.. بس في أمل، لمحنا واحد جاي من بعيد ناحيتنا بخطوات غريبة، كان ماشي زي السكرانين، فضل يقرب لحد ما ملامحه ظهرت.. ده الراجل البدوي اللي وصلنا هنا، فضلنا نشاور له وجرينا عليه، ولما وصلنا عنده قال:
_ مصيركوا تبقوا هنا، كنتوا عارفين ان اللي بيجي هنا مفقود وصممتوا تكملوا، الرسالة وصلت كل واحد لوحده، انت عشان رئيس العمال يا سالم، وانت عشان المهندس المسؤل، اتحذرتوا من قشقاي وجبروتها وبرضه صممتوا تيجوا هنا، كله مقدر ومكتوب.
كان قدامكوا فرصة ترجعوا قبل ما تقبلوني، قشقاي كانت عايزة المدير بس عشان طمعه، هو جه قبل كده مرة واتنين عشان يدرس المكان، وقشقاي وريته الكنز عشان يطمع ويرجع، وأهو رجع، بس نصيبكوا انكوا كنتوا معاه.. دوري انتهى يا طارق، وهرجع تاني اوصل ناس غيركوا لقشقاي، دوري انتهى يا طارق، وانتوا في حضرة قشقاي ملكة الأرض.

خلص كلامه ومشي ناحية البيت ودخله، البيت اللي اتهدم رجع موجود من جديد، ، فجريت أنا وعم سالم ودخلنا وراه، عشان نلاقي ناس جديدة، بمعدات تنقيب وكل لوازم الحفر بتاعتهم، وكان في حاجة واحدة بس مختلفة، انهم مش شايفينا.. جرينا على فوق يمكن حد يشوفنا، ولقينا الأوضة اللي بتتوسط الممر مفتوحة، وهي قاعدة على كرسي كبير هزاز ومديانا ضهرها، ومكتوب على الحيطة قدامها:
_ قشقاي ملكة الأرض، أنتم الآن في خدمتها، في خدمة ملكة الأرض.. قشقاي الأم.

حاولنا نكلم الناس يمكن حد يشوفنا، او يسمعنا، لكن الناس افتكرتنا عفاريت، وكانوا بيقولوا ان الحاجات بتتحرك لوحدها، انهم بيسمعوا اصوات غريبة، وانهم خايفين.. زي ما كنا بنقول بالظبط.

احنا داخل أرض قشقاي، لقينا نفسنا محبوسين جوه عالم الموتى، داخل فجوة قشقاي الزمنية.

*******

دي قصتي الأولى بعنوان قشقاي، من سلسلة خلف الأبواب المغلقة.. امضاء: كاتب مجهول.

وتم العثور على الوثيقة بالصدفة البحتة في احد محلات بيع الكتب (سور الأزبكية).. من قبل باحث للعوالم الخفية..

تمت..
قِشقَاي
#فهد_حسن

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button